‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الإسلام. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 25 فبراير 2016

ما هي منزلة حامل القرآن؟



القرآن الكريم هو هدية السماء إلى أهل الأرض. هو الوحي المتجدد الذي لا يبلى على الدهر. وهو الهدى والنور، والشفاء لما في الصدور. فمن اعتقد أنه أوتي نعمة خيرًا من القرآن فقد استهان بما عظم الله.

قال سفيان بن عيينة: من أعطي القرآن فمد عينيه إلى شيء مما صغر القرآن، فقد خالف القرآن، ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى: ((ولقد ءاتيناك سبعًا من المثاني والقرءان العظيم. لا تمدن عينيك إلى ما متعنابه أزواجًا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين. وقل إني أنا النذير المبين)) سورة الحجر: الآيات 87، 88، 89، أي ما رزقك الله من القرآن خير وأبقى مما رزقهم من الدنيا.

ومن هنا كان حقًا على حامل القرآن الكريم أن يعلم أنه حامل راية الإسلام وأن ما يحفظه بين جوانح أغلى من كنوز الدنيا كلها وزخارفها الزائلة. فلا يرخص نفسه ولا يرخص ما يحمل في قلبه من هدى وضياء وذكر للعالمين شاكرًا لربه مؤديًا لحقه، محاذرًا أن يتخذه مرقاة لنيل المناصب وحساب الرواتب، ((فلا يجتمع فهم القرآن والاشتغال بالحطام في قلب مؤمن أبدًا)) قاله سفيان الثوري. بل يجعل همه الآخرة والرغبة فيما عند الله، مجانبًا للذنب، محاسبًا للنفس، ذا سكينة ووقار يعرف القرآن في سمته وخلقه.

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون)).

إن حامل كتاب الله مسلم رباني ووارث محمدي عليه مسحة من نبوة. فقد أخرج الحاكم وغيره من حديث عبد الله بن عمرو: (من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه).

وهو من عرفاء أهل الجنة في الجنة. أخرج الطبراني من حديث أنس رضي الله عنه: (حملة القرآن عرفاء أهل الجنة).

ومن أهل الله وخاصته، كما أخرج النسائي وابن ماجه والحاكم من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله عز وجل أهلين من الناس) قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: (أهل القرآن: أهل الله وخاصته). رواه أحمد.

كما أنه من أهل الحظوة والجدارة والجاه: فعن عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ قال: ابن ابزي، قال: ومن ابن أبزي؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قاريء لكتاب الله وعالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم صلى الله عليه وسلم قد قال: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين). أخرجه مسلم.

وصاحب القرآن في الدرجات العلا عند الله : فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها). أخرجه أبو داود والترمذي.

وإن من إجلال الله إجلال حامل القرآن: روي البيهقي عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من إجلال الله عز وجل إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط) رواه أبو داود في سننه وابن أبي شيبة في مصنفه.

الدعاء هو سلاح المؤمن



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين، وبعد:
فالدعاء طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، ومفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، به تُستجلب النعم، وبمثله تُستدفع النقم. ما أشد حاجة العباد إليه، وما أعظم ضرورتهم إليه، لا يستغني عنه المسلم بحال من الأحوال.
والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله ويرفعه أو يخففه.
وأمرٌ هذا شأنه حريٌ بالمسلم أن يقف على فضائله وآدابه، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم الدعاء وصالح الأعمال.

فضائل الدعاء

للدعاء فضائل لا تحصى، وثمرات لا تعد، ويكفي أنه نوع من أنواع العبادة، بل هو العبادة كلها كما أخبر النبي بقوله: { الدعاء هو العبادة } [رواه الترمذي وصححه الألباني]. وترك الدعاء استكبار عن عبادة الله كما قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، وهو دليل على التوكل على الله، وذلك لأن الداعي حال دعائه مستعين بالله، مفوض أمره إليه وحده دون سواه. كما أنه طاعة لله عز وجل واستجابة لأمره، قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60].
وهو سلاح قوي يستخدمه المسلم في جلب الخير ودفع الضر، قال : { من فُتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سُئل الله شيئاً يُعطى أحب إليه من أن يُسأل العافية، إن الدعاء ينفع مما نزل وما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء } [رواه الترمذي وحسنه الألباني].
وهو سلاح استخدمه الأنبياء في أصعب المواقف، فها هو النبي في غزوة بدر عندما نظر إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر استقبل القبلة ثم رفع يديه قائلاً: { اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض } فما زال يهتف بالدعاء ماداً يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبوبكر فأخذ رداءه وألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه وقال: ( يا نبي الله، كفاك منشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك ) [رواه مسلم].
وها هو نبي الله أيوب عليه السلام يستخدم سلاح الدعاء بعدما نزل به أنواع البلاء، وانقطع عنه الناس، ولن يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، وهو في ذلك كله صابر محتسب، فلما طال به البلاء دعا ربه قائلاً: وَأيُوبَ إذ نَادى رَبَهُ أنّي مَسَنِىَ الضُرُ وَأنتَ أرحَمُ الرّاحِمِينَ (83) فَاستَجَبنَا لَهُ فَكَشَفنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ [الأنبياء:84،83].
والدعاء سبب لتفريج الهموم وزوال الغموم، وإنشراح الصدور، وتيسير الأمور، وفيه يناجي العبدُ ربّه، ويعترف بعجزه وضعفه، وحاجته إلى خالقه ومولاه، وهو سبب لدفع غضب الله تعالى لقول النبي : { من لم يسأل الله يغضب عليه } [رواه أحمد والترمذي وحسنه الألباني]. وما أحسن قول الشاعر:

لا تسألن بني آدم حاجة *** وسلِ الذي أبوابُه لا تحجبُ
الله يغضب إن تركت سؤاله *** وبني آدم حين يسأل يغضبُ

وهو سلاح المظلومين ومفزع الضعفاء المكسورين إذا انقطعت بهم الأسباب، وأغلقت في وجوههم الأبواب، يقول الإمام الشافعي:

أتهزأ بالدعاء وتزدريه *** وما تدري بما صنع الدعاءُ
سهام الليل لا تخطي ولكن *** له أمدٌ وللأمد انقضاء


آداب الدعاء

للدعاء آداب كثيرة يحسن توافرها لتكون عوناً بعد الله على إجابة الداعي، ومن هذه الآداب:
1 - افتتاح الدعاء بحمد الله تعالى والثناء عليه، والصلاة على النبي :
لحديث فضالة بن عبيد قال: بينما رسول الله قاعداً إذ دخل رجلٌ فصلّى فقال: اللهم اغفر لي وارحمني. فقال رسول الله : { عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصلِّ عليّ ثم ادعه }. ثم صلّى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله، وصلى على النبي ، فقال له النبي : { أيها المصلي ادع تُجب } [رواه الترمذي وصححه الألباني].
2 - الإعتراف بالذنب والإقرار به:
وفي هذا كمال العبودية لله تعالى، مثلما دعا يونس عليه السلام: فَنَادى فِي الظُلُمَاتِ أن لآ إلَهَ إلآ أنتَ سُبحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَالٍِمِينَ [الأنبياء:87].
3 - الإلحاح في الدعاء والعزم في المسألة:
لقول النبي : { إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني، فإنه لا مستكره له } [رواه البخاري ومسلم].
4 - الوضوء واستقبال القبلة ورفع الأيدي حال الدعاء:
فهذا أدعى إلى خشوعه وصدق توجهه، فعن عبدالله بن زيد قال: ( خرج النبي إلى هذا المصلي يستسقي فدعا واستسقى، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه ). ولحديث أبي موسى الأشعري لما فرغ النبي من حنين، وفيه قال: فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: { اللهم اغفر لعبيد بن عامر } ورأيت بياض أبطيه. [رواه البخاري ومسلم].
5 - خفض الصوت والإسرار بالدعاء:
لقول الله تعالى: ادعُوا رَبَكُم تَضَرُعاً وَخُفيَةٌ إنَهُ لاَ يُحِبُ المُعتَدِينَ [الأعراف:55]. ولقول النبي : { أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم } [رواه البخاري].
6 - عدم تكلف السجع:
وذلك لأن الداعي ينبغي أن يكون في حال تضرع وذلة ومسكنة، والتكلف لا يناسب ذلك، وقد أوصى ابن عباس أحد أصحابه قائلاً: ( فانظر السجع في الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليi وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب ) [رواه البخاري].
7 - تحري الأوقات المستحبة واغتنام الأحوال الشريفة:
كأدبار الصلوات الخمس، وعند الأذان، وبين الأذان والإقامة، والثلث الأخير من الليل، ويوم الجمعة، ويوم عرفة، وحال نزول المطر، وحال السجود، وحال زحف الجيوش في سبيل الله، وغير ذلك.
8 - تجنب الدعاء على النفس والأهل والمال:
لقول النبي : { لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاءً فيستجيب لكم } [رواه مسلم].

نماذج لأدعية من الكتاب والسنة


أولاً: أدعية من القرآن الكريم:

1 ـ (رَبَنَا اصرٍف عَنَا عَذّابَ جَهَنَمَ إنَ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً (65) إنَهَا سَآءَت مُستَقَراً وَمُقَاماً) [الفرقان:66،65].
2 ـ (رَبَنَا هَب لَنَا مِن أزوَجِنَا وَذُرِياتِنَا قُرَةَ أعيُنٍ واَجعَلنَا لِلمُتَقِينَ إمَاماً) [الفرقان:74].
3 ـ (رَبَنَا اغفِر لَنَا وَلإخوَنِنَا الّذِينَ سَبَقُونَا بِاللإيمَانِ وَلاَ تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَذِينَ ءَامَنُوا رَبَنَآ إنَكَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10].
4 ـ (رَبِ اغفِر وَارحَم وَأنتَ خَيرُ الرَاحِمينَ) [المؤمنون:118].
5 ـ (رَبَنَآ ءَاتِنَا فِي الدُنّيَا حَسَنَةً وَفيِ الأَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَارِ) [البقرة:201].
6 ـ (رَبَنَا لاَ تُؤَاخِذنَآ إن نَسِينَآ أَو أخطَأنَا رَبَنَا وَلاَ تَحمِل عَلَيَنآ إصراً كَمَا حَمَلتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبلِنَا رَبَنآ وَلاَ تَحمِلنَآ مَلاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعفُ عَنّا واغفِر لَنَا وَارحَمنَآ أنتَ مَولَنَا فانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ) [البقرة:268].
7 ـ (رَبَنَا لاَ تُزِغ قُلُبَنَا بَعدَ إذ هَدَيَتَنا وَهَب لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إنَكَ أنتَ الوَهَابُ) [آل عمرآن:8].
8 ـ (رَبِّ اشرَح لي صَدرِي (25) وَيَسِّر ليِ أمرِي (26) وَحلُل عٌقدَةً مِن لِسَاني (27) يَفقَهُوا قَوليِ) [طه:25-28].
9 ـ (رَبِ إنّيِ ظَلَمتُ نَفسِي فَاغفِر ليِ) [القصص:16].
10 ـ (رَبَنآ لاَ تَجعَلَنَآ فِتنَةً لِلقَومِ الظّالِمينَ (85) وَنَجِنآ بِرَحمَتِكَ مِنَ القَومِ الكَافِرِينَ) [يونس:86،85].
11 ـ (رَبَنآ اغفِر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسرَافَنَا فيِ أمرِنَا وَثَبِت أقدَامَنَا وَانصُرنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ) [آل عمران:147].
12 ـ (رَبَنَآ ءَاتِنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً وَهَيىء لَنَا مِن أمرِنَا رَشَداً) [الكهف:10].
13 - (رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً) [طه:114].
14 - (رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) [المؤمنون:97].
15 - (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الممتحنة:5].
16 - (رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء) [آل عمران:38].
17 - (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [البقرة:127].
18 - (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء) [إبراهيم:40].
19 - (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم:41].
20 - (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران:16].
21 - (رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) [العنكبوت:30].
22 - (رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ) [المؤمنون:109].
23 - (رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) [التحريم:8].
24 - (رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة:83].


ثانياً: أدعية من السنة النبوية:

1 - { اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر }.
2 - { اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغنى }.
3 - { اللهم إني أعوذ بك من العجز، والكسل، والجبن، والبخل، والهرم، وعذاب القبر، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم إني أعوذ بك من علم لاينفع، ومن قلب لايخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لايستجاب لها }.
4 - { اللهم اهدني وسددني، اللهم إني أسألك الهدى والسداد }.
5 - { اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك }.
6 - { اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي }.
7 - { اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك }.
8 - { يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك }.
9 - { اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة }.
10 - { اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار، وعذاب النار، وفتنة القبر، وعذاب القبر، وشر فتنة الغنى، وشر فتنة الفقر، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال، اللهم اغسل قلبي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم إني أعوذ بك من الكسل والمأثم والمغرم }.
11 - { اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات }.
12 - { اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء }.
13 - { اللهم إني أعوذ بك من شر ماعملت، ومن شر ما لم أعمل }.
14 - { اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت }.
15 - { لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين }.
16 - { اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي }.
17 - { اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواء }.
18 - { اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني }.
19 - { اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي، وترحمني، وإذا أردت فتنة قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقربني إلى حبك }.
20 - { اللهم إني أسألك من الخير كله: عاجله وآجله، ماعلمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله: عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم. اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ونبيك. اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسالك أن تجعل كل قضاء قضيته لي خيراً }.
21 - { اللهم احفظني بالإسلام قائماً، واحفظني بالإسلام قاعداً، واحفظني بالإسلام راقداً، ولا تشمت بي عدواً ولا حاسداً. اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك }.
22 - { اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا، وأبصارنا، وقواتنا ما أحببتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لايرحمنا }.
23 - { اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي }.
24 - { اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة }.
25 - { رب أعني ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسر الهدى إليّ، وانصرني على من بغى عليّ، رب اجعلني لك شاكراً، لك ذكاراً، لك رهّاباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي }.
26 - { اللهم ألهمني رشدي، وأعذني من شر نفسي }.
27 - { اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وأعوذ بك من علم لاينفع }.
28 - { اللهم رب السماوات السبع ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شي، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شئ أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شئ، وأنت الآخر فليس بعدك شئ، وأنت الظاهر فليس فوقك شئ، وأنت الباطن فليس دونك شئ، اقض عنا الدين وأعننا من الفقر }.
29 - { اللهم حاسبني حساباً يسيراً }.
30 - { اللهم أعنا على ذكرك،وشكرك، وحسن عبادتك }.
31 - { اللهم إني أسألك إيماناً لايرتد، ونعيماً لاينفد، ومرافقة محمد صلى الله وعليه وسلم في أعلى جنة الخلد }.
32 - { اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة العدو، وشماتة الأعداء }.
33 - { اللهم إني أسألك الجنة وأستجير بك من النار } ( ثلاث مرات).
34 - { اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم }.
35 - { اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً }.
36 - { اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً }.
37 - { اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني. أنت الحي الذي لايموت، والجن والإنس يموتون }.
38 - { اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة، والنجاة من النار }.
39 - { اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني ماعلمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي، اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضاء والغضب، وأسألك القصد في الغنى والفقر، وأسألك نعيماً لاينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة. اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين }.
40 - { اللهم طهرني من الذنوب والخطايا، اللهم نقني منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد }.
41 - { اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من يظلمني، وخُذ منه بثأري }.
42 - { اللهم إني أسألك عيشة نقية، وميتة سوية، ومرداً غير مخز ولا فاضح }.
43 - { اللهم زدنا ولاتنقصنا، وأكرمنا ولاتهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرض عنا }.
44 - { اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي }.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الرسول محمد: نبي الرحمة ورجل المحبة والسلام



سوف نتحدث في هذا المقال عن شخصية النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- باعتباره القدوة الحسنة المرتضاة من الله تعالى لكافة البشر، هذه الشخصية التي تكلم عنها بعض وسائل الإعلام العالمية بما لا يليق بها، في حين أننا نلاحظ أنه يُطبّل لأناس لا يتوفر فيهم معشار جزء من خلقه فهو صلوات الله وسلامه عليه،جمع الفضائل كلها،والمكارم جميعها،والمحامد بأكملها،إليه ينتهي الخير،وفيه تأصل البر،وعلي يديه فاض النور وأشرقت الهداية، وبه أنقذ الله البشرية، وأخرجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد،ومن ضيق الدنيا إلى سعتها،ومن جور الطواغيت إلى عدل الإسلام.

ومن أجل ذلك كانت سيرته من أجمل السير،وصفاته من أنبل الصفات، وأخلاقه من أعظم الأخلاق، وحياته من أروع الحياة وأوفاها وأشملها.

نعم إن التاريخ الإنساني على وجه الأرض لم يعرف عظيما من العظماء ولا زعيما من الزعماء ولا مصلحا من المصلحين استوعب في صفاته الذاتية والعقلية والنفسية والخلقية والدينية والروحية والاجتماعية والإدارية والعسكرية والتربوية ما استوعبه شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما اختصه الله به من الكمالات التي تشرق في كل جانب من جوانبها وتضيء في كل لمحة من لمحاتها، حتى استحق أن يصفه الله عزوجل بالنور في مثل قوله تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين)(المائدة 15).

ولا عجب في ذلك، فقد أرسله الله للناس كافة، قدوة صالحة لهم،ورحمة للعالمين. وهو القائل عن نفسه (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).(الموطأ).

فرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن بعثه الله عزوجل للناس نبيا ورسولا كانت حياته صورة صادقة للدين الذي جاء به من عند الله، وما أجمل ما وصفته عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عنه، فقالت (كان خلقه القرآن).
أي أنه كان قرآنا حيا متحركا ملتزما بأحكامه ، عاملا بتوجيهاته، متبعا لهديه،ومنتهيا عند نهيه،يدعو إلى نوره، ويحتكم إلى شريعته،من أجل ذلك قال الله تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا)(الأحزاب 21).

فهو القدوة إلى الخير والأسوة بين الناس إلى رضوان الله.
وأيما دعوة من الدعوات، لا يتأتى لها النجاح والانتشار ما لم يكن لها من أصاحبها والداعين إليها قدوات صالحة في التطبيق العملي لتلك الدعوة في أخلاقهم وسلوكهم ومواقفهم في الحياة.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في ذلك فقد صنعه الله على عينه، وأدبه فأحسن تأديبه، وأعده لحمل رسالته وتبليغ دعوته وإخلاص العبودية لرب العالمين قال سبحانه: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)(القلم 4).

وسيرته صلى الله عليه وسلم العطرة سجل حافل بالمآثر مليء بالمكرمات، مفعم بالفضائل، إنه كنز المواعظ والعبر،ومدخر الدروس التي تنبض بالنور،ترشد إلى الخير،وتوقظ الهمم، وتشحذ العزائم،وتذكي الإيمان، وترسم الطريق إلى مرضاة الله، وتضع المعالم أمام الدعاة والمصلحين،وتجسم القيم العليا والمبادئ الرفيعة في شخص النبي صلى الله عليه وسلم،واقعا محسوسا،وحياة كريمة فاضلة.

فما نقرأه عما ينشر عنه في العالم الآخر من معلومات مغلوطة وكاذبة وذلك باتهامه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم - بأنه رجل حرب ونهب وسلب، وأنه كان غليظ القلب، وأن الدين الذي جاء به دين العنف والرهبة والقتال، وصار بعض الرموز عندهم يُنعتون بأنهم رجال المحبة والرحمة والسلام، وتناسى الناس في زحمة الكذب الإعلامي والتزوير في الحقائق التاريخية والدينية والثقافية شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم- تلك الشخصية التي نالت القدر الأوفى من كل الشمائل والخصال النبيلة، والقيم الإنسانية العليا.
لقد كان ميلاد محمد -صلى الله عليه وسلم- إيذاناً ببدء ثورة شاملة، حررت الإنسان والزمان والمكان، ورفعت عنها إصر عبوديات وأغلال كثيرة كانت تعيق انطلاقها جميعاً، فأخذ الإنسان حريته بيده، وصاغ هوية زمانه ومكانه صياغة جديدة، فجرت عناصر الخير في كل شيء، كان احتجاجاً قبلياً على كل عناصر الخير، فوقف الإنسان على ربوة التاريخ يسدّد خطواته نحو الأشرف والأفضل، ووقف المكان ليُلهم ويحتضن وينبت الأروع والأنصع، ووقف الزمان ليفسح ويتيح للأكمل والأشمل!
ولد الهدى فالكائنات ضياء وفم الزمان تبسّم وثناء
ولقد شكلت شخصية محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- الرجل الذي اكتملت فيه كل الأخلاق الحميدة، وانتفت منه كل الأخلاق الذميمة، ولذلك خاطبنا الله بقول: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). والمطّلع على سيرة النبي محمد -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- يدرك أنها كانت حقيقة تاريخية لا تجد الإنسانية غيره قدوة حسنة تقتدي بها، وهي تتلمس طريقها نحو عالم أكمل وأمثل، وحياة فُضلى، ومن الطبيعي ألا تجد الإنسانية مثلها الأعلى في شخصيات وهمية، وإلا فهي تضلّ طريقها المستقيم وتسير مقتدية بالخيال والأوهام، فمن حقنا إذاً أن نتخذ من سيرة النبي -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- نموذجاً لسلوكنا في حياتنا.
وحياة محمد -صلى الله عليه وسلم- تكشف أمامنا المثلى الأعلى في جميع أحوال الحياة؛ في السلم والحرب، في الحياة الزوجية، مع الأهل والأصحاب، في الإدارة والرئاسة والحكم والسياسة، في البلاغ والبيان، بل في كل أوجه الحياة. فمحمد -صلى الله عليه وسلم- هو المثل الكامل.

ولن تجد الإنسانية في غيره مثلاً حياً لها؛ فسيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- حقيقة تاريخية، يصدّقها التاريخ الصحيح ولا يتنكر لها، وهي سيرة جامعة محيطة بجميع أطوار الحياة وأحوالها وشؤونها، وهي سيرة متسلسلة لا تنقص شيئاً من حلقات الحياة، وهي أيضاً سيرة عملية قابلة للتطبيق، ذلك أن ما كان يدعو إليه محمد -صلى الله عليه وسلم- في القرآن والحديث كان يحققه بسيرته أولاً، وهذا ما شهد به معاصروه، فقالت عائشة -رضي الله عنها- وقد سئلت عن أخلاقه صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن».
فهو قدوة الرجال وحبيب الله ورحمة العالمين وأساس سلم العالم محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

محمد الرحمة المهداة:

إن رحمة النبي -صلى الله عليه و سلم- بُعد مهم في شخصيته، وفي دعوته، ومن صميم شخصيته رسولاً ونبياً ومبلغاً عن ربه وهادياً للناس. وحينما نقرأ قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ونقف أمام الآية ندرك سعة رحمة هذا النبي الكريم، وكيف كان صلى الله عليه وسلم يفيض رحمة في خلقه وسلوكه وأدبه وشمائله. وإنه لتناسب وتآلف في أرقى مستوياته بين الرسالة والرسول في هذه الرحمة، حتى لا يُتصور أن يحمل عبء بلاغ هذه الرحمة إلى العالمين إلا رسول رحيم ذو رحمة عامة شاملة فياضة طبع عليها ذوقه ووجدانه، وصيغ بها قلبه وفطرته..(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم ) [التوبة: 128]. فهو مثل أعلى للرحمة الإلهية لذلك وصفه الله تعالى بأنه رؤوف رحيم.

لقد أرسله الله تعالى رحمة للعالمين.. رحمة شاملة للوجود بأجمعه. يستطيع المؤمنون الاستفادة من الرحمة التي كان يمثلها النبي -صلى الله عليه و سلم- ذلك لأنه (بالمؤمنين روؤف رحيم) ويستطيع الكافرون والمنافقون أيضاً -إلى جانب المؤمنين - الاستفادة من هذه الرحمة كذلك. فعندما قيل له: ادع على المشركين قال صلى الله عليه وسلم: "إني لم أُبعث لعانًا، وإنما بُعثت رحمة".
كما أن رحمته شملت أسرته وأمته وأصحابه، فقد كان صلى الله عليه وسلم خير الناس وخيرهم لأهله وخيرهم لأمته، من طيب كلامه، وحُسن معاشرة زوجاته بالإكرام والاحترام، حيث قال عليه الصلاة والسلام: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي". كما أنه في تعامله مع أهله وزوجه كان يُحسن إليهم، ويرأف بهم ويتلطّف إليهم ويتودّد إليهم، فكان يمازح أهله ويلاطفهم ويداعبهم. كما كان يعين أهله ويساعدهم في أمورهم ويكون في حاجتهم، وكانت عائشة تغتسل معه صلى الله عليه وسلم من إناءٍ واحد، فيقول لها: (دعي لي)، وتقول له: دع لي.
وكان صلى الله عليه وسلم رحيماً بالجميع، بل إنه يسمع بكاء الصبي فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتتن أمه. و كان صلى الله عليه وسلم يمر بالصبيان فيسلم عليهم. وجاء الحسن والحسين، وهما ابنا ابنته وهو يخطب الناس فجعلا يمشيان ويعثران فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما حتى ووضعهما بين يديه، ثم قال صدق الله ورسوله(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) [لأنفال:28] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان فيعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.
فرحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- جعلته لطيفاً رحيماً، فلم يكن فاحشاً ولا متفحّشاً، ولا صخّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. بل إن سيدنا أنس -رضي الله عنه- يقول: "خدمت النبي -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، والله ما قال أفّ قط، ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا" ، وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادماً له، ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً قط إلا أن يجاهد في سبيل الله". وفي رواية "ما ضرب رسول الله شيئًا قط بيده ولا امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله" .
ولذلك قال فيه القرآن الكريم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشاورهم في الأمر) [آل عمران:159] ، فقد كان منهجه الرحمة بالعباد والتخفيف من الإصر والغلال التي عليهم، وهو في هذا يقول صلى الله عليه وسلم: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) .
وتتجلّى رحمته -صلى الله عليه وسلم- بالمذنبين، وبمن لا يعرفون كيف تقضى الأمور فيعفو ويصفح ويعلم، عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَه مَه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (لا تزرموه، دعوه) ، فتركوه حتى بال ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله، والصلاة، وقراءة القرآن" قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلو من ماء فشنّه عليه".
كانت رحمة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل غضبه، بل إنه في الحرب كان يقاتل بشجاعة، ولكنه أيضاً كان صاحب شفقة عظيمة، كان سياسياً، ولكنه في الوقت نفسه صاحب مروءة كبيرة وقلب كبير. ففي غزوة أحد استشهد عمه حمزة أسد الله ورسوله رضي الله عنه، ومُزّق جسده تمزيقاً. كما مُزّق جسد ابن عمته عبد الله بن جحش تمزيقاً. وشُجّ رأسه المبارك صلى الله عليه وسلم، وكُسِرت رباعيّته، وغطّى الدم جسده الشريف.
وبينما كان المشركون جادّين في حملتهم لقتله كان أكثر رحمة بهم، وكان يدعو: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". فهل يوجد أرحم من محمد في مثل هذه اللحظات.
وفي فتح مكة كيف تعامل مع من أخرجوه وظاهروا على إخراجه وإيذائه؟ وكيف تعامل مع من حاصروه في شعب أبي طالب وتسببوا في وفاة أحب زوجاته إليه خديجة الكبرى رضي الله عنها، وفي وفاة عمه أبي طالب؟ فكيف كانت معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبغضاً؟
لقد دخل مكة بعشرة آلاف مقاتل، دخل على مركبه، والدرع على صدره، والمغفر على رأسه، والسيف في يده، والنبال على ظهره، ولكنه مع كل مظاهر لباس الحرب هذه كان أنموذجاً للرحمة.
سأل أهل مكة: «ما ترون أني فاعل بكم؟» فأجابوه: "خيراً أخٌ كريمٌ وابن أخ كريم" فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: (لا تثريبَ عليكم اليوم يَغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) (يوسف: 92) لقد قال لهم: "اذهبوا فأنتم الطُلَقاء".
هذا هو محمد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذه رحمته التي شملت كل الناس، واستمرت دستوراً هادياً إلى أن تقوم الساعة، وليست تلك الرحمة الكاذبة التي تأتي ردود أفعال من أناس يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، كما أنها ليس تلك الرحمة ذات الوجهين التي تُطبّق على البعض، ويُحرم منها البعض، كما نراه في كثير من الشخصيات والنظم والقوانين الدولية والمحلية، التي تحاكم آخرين وتستثني آخرين. أو تلك المؤسسات والشخصيات التي ترأف وترحم الحيوان، ولكنها تشرّع لظلم الإنسان لأخيه الانسان.

أم لم يعرفوا رسولهم؟

يقول الله تعالى في محكم تنزيله: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) [المؤمنون: 69]، هذه الآية تشكل في الحقيقة مسوغًا هاماً لنا في تناول شخصية النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك أن معرفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سيرته وفي سنته وفي شمائله من أهم الأمور التربوية التي تساعدنا على الاقتداء به صلى الله عليه وسلم. فإنه لا توجد سيرة أخرى أجدى بأن تُقتدى ويُحتفل بها مثل سيرته صلى الله عليه وسلم. وفي تاريخ البشرية كلها لا نجد حياةً نُقلت إلينا تفاصيلها، وحُفظت لنا وقائعها في وضوح كامل، وتفصيل عميم شامل كما حُفظت، وكما نُقلت إلينا حياة محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- رسول الله ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين، فكل كلمة قالها، وكل خطوة خطاها، وكل بسمة تألّقت على محيّاه، وكل دمعة تحدرت من مآقيه، وكل مسعًى سار لتحقيقه، وكل مشاهد حياته حتى ما كان منها من خاصة أمره، وأسرار بيته، وأهله، نُقل إلينا موثّقاً بأصدق ما عرف التاريخ الإنساني من توثيق وتدوين.

ولا عجب في هذا، فمادام الله قد اختاره ليختم به النبوة والأنبياء، فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً جليلاً لأجيال لا منتهى لأعدادها، وأن تكون هذه الحياة بكل تفاصيلها أشد وضوحاً، وتألقاً من فلق الصبح ورابعة النهار، لا بالنسبة إلى عصره فحسب، بل بالنسبة إلى كل العصور والأجيال.
إن حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- وشمائله، وجوانب شخصيته، ونتائج دعوته درس لكل سالك إلى طريق الله، وكل قائد أو مربٍّ أو رب أسرة أو سالك أي سبيل من سبل الخير إلى أن ينقطع الزمان.

و أهم أبعاد شخصيته صلى الله عليه وسلم، هو المحبة. فكيف كان النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل محبة؟ وما هي الجوانب التي شملها هذا الخلق العظيم؟ وما موقفنا نحن تجاه محبته؟

منهجه يدعو إلى مجتمع المحبة:

إنها لصورة قاتمة باهتة مخيفة تلك التي رسمها البعض للإسلام في أذهان الناس حتى صار الناس يخافون من الدين ومن التدين؛ لأنهم يظنونه شيئاً قاسياً لا يرحم، وأتباعه غلاظ لا يلينون، وأحكامه سيف قاطع على الرؤوس.
وقد استثمر البعض الموقف، واتهموا النبي -صلى الله عليه وسلم- والإسلام بالحقد والكراهية، وكل أوصاف التجهم والتعصب والعنف، حتى لكلأنها صارت حقيقة، وأُسقط في أيدينا، وظن بعضنا أن هذا الزيف حقيقة.
ولكن الحقيقة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نور يُستضاء به في ظلام الجاهلية، ومحبة خالصة تؤلف بين القلوب، وأن الإسلام شمس مضيئة أنارت ظلام الجاهلية، وهو دين الحب والأمل و الحياة واليسر، و شرائعه هي شرائع الحق والعدل، وأحكامه هي أحكام الحياة.
وللقيمة الرفيعة لخلق الحب والمحبة في الحياة، وأهميته في تحقيق السعادة للفرد والأسرة والمجتمع والأمة والإنسانية، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- سعى لتحقيقه بوسائل متعددة، وربّى أصحابه وأمته على هذه النفسية الراقية، وحث على إشاعته بين الناس، ببناء كل العلاقات على أساس من الحب؛ حبّ الله، وحب الخير، وحب الصلاح والصالحين، وحب الإنسانية.
وبعبارة أخرى فإن نهجه صلى الله عليه وسلم، وحياته كلها دعوة للتحابب. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال‏:‏ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه مسلم في كتاب الإيمان‏:‏ ‏"‏لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا‏، ولا تؤمنوا حتى تحابوا‏.‏ أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم‏؟ أفشوا السلام بينكم"‏‏.‏
وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أيضاً عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال‏:‏ ‏"‏سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏:‏ الإمام العادل‏.‏ وشاب نشأ بعبادة الله‏.‏ ورجل قلبه معلّق في المساجد‏.‏ ورجلان تحابّا في الله: اجتمعا عليه وتفرّقا عليه‏.‏ ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال‏:‏ إني أخاف الله‏.‏ ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله‏.‏ ورجل ذكر الله خالياً، ففاضت عيناه‏".‏ فمن الناس الذين يصلون إلى تلك المرتبة العالية يوم القيامة ‏‏(ورجلان تحابا في الله‏)‏ فاجتمعا على حب الله وافترقا على حبه‏.‏ بمعنى أن سبب اجتماعهما حب الله، واستمرا على ذلك حتى قضى الله أمراً كان مفعولاً فتفرّقا بموت أو سفر أو غيره، وهما صادقان في حبّ كل واحد منهما صاحبه لله تعالى، حال اجتماعهما وافتراقهما‏.‏
ليس هذا فحسب، بل إن شرائع الإسلام وأحكامه كلها دعوة للمحبة، فالزكاة مثلاً التي هي قرينة الصلاة وجوباً وأهمية، فإن المستفيد منها وهو الفقير يشعر بأنه ليس وحده في المجتمع، وإنما هو فرد في جماعة لا تنساه وتكفله، ومن هنا تتلاشى الأحقاد وتنبت المحبة والألفة، وهكذا تكون الجماعة كالجسد الواحد، الغني يدفع من مال الله الذي عنده فيجد البركة والنماء، والفقير يتناول رزق ربه فيسدّ حاجته، والمجتمع ينقى ويطهر من الأمراض الخبيثة.
ولهذا فإن حب الخير للناس مما يقوم عليه ويتقوى به إيمان المؤمن، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس، فكان إذا أرسل غلامه للتقاضي يقول له: خذ ما تيسر، واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فلما هلك سأله الله تعالى: هل عملت خيراً قط؟! قال: لا إلا أنني كنت أداين الناس فكنت أقول لغلامي: خذ ما تيسر واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فقال الله له: قد تجاوزت عنك".
فهذه العلاقة بين المؤمن والمؤمن يحرص عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنها تهب الجماعة المسلمة قوتها وصلابتها؛ فلا تهون ولا تتفتت ولا تعبث بها الفتن، فيقول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، ويقول صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، فإن كل مؤمن هو لبنة في بناء المجتمع، يدخل الإيمان بينه وبين غيره كالمونة اللاصقة الجاذبة الموضوعة بين لبنات البناء، فيشتد البناء ويقوى وترتفع هامته، ثم إن من فيض الإيمان تنبعث الرحمة الهادية، التي ترجو ما عند الله، وإنه لحق، حيث يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا، فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة". ذلك هو الحب الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- لبناء المجتمع عليه.

النبيّ الإنسان المحبّ:

وإذا التفتنا إلى حياته الخاصة صلى الله عليه وسلم في بيته ومع أولاده وأهل خاصته وجدناه المثل الأعلى في الحب والود والشفقة. فكان صلى الله عليه وسلم يحب الأطفال، ويقبّل أولاده، ويعطف عليهم، ويأمر بالمساواة في المحبة بينهم، كما كان يحب أهله وزوجاته، وهو القائل: "حبب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصلاة".
لقد كان صلى الله عليه وسلم يحترم ويود ويحب زوجاته، ويقدر مشاعرهن بطريقة لا يرقى إليها أي من المحبين الذين ادّعوا أو أحبّوا أهليهم وأولادهم.
لقد كان قدوة، بل خير قدوة صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعيش بين أزواجه رجلاً ذا قلب وعاطفة ووجدان، حياته مليئة بالحب، والحنان، والمودة، والرحمة.

ومما يذكر أنه كان مع عائشة -رضي الله عنها- التي يحبها كثيراً، يراها تشرب من الكأس فيحرص كل الحرص على أن يشرب من الجهة التي شربت منها، وهي صورة يندر أن يقوم به مدّعو الحب بيننا، إنه حب النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- للصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما.
ومِن تودّده لها وزيادة في حبها أنه كان يسابقها في وقت الحرب، يطلب من الجيش التقدم لينفرد بأم المؤمنين عائشة ليسابقها ويعيش معها ذلك الحب الزوجي الراقي.

وفي المرض، حين تقترب ساعة اللقاء بربه وروحه تطلع إلى لقاء الرفيق الأعلى، لا يجد نفسه إلا طالباً من زوجاته أن يمكث ساعة احتضاره صلى الله عليه وسلم إلا في بيت عائشة، ليموت ورأسه على صدرها، ذاك حبّ أسمى وأعظم من أن تصفه الكلمات أو تجيش به المشاعر.
إنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرسم لنا طريقاً للحب فريداً من نوعه أوسع مما حصرته فيها مفاهيمنا المادية العلمانية التي تضيّق علينا واسعاً وتحرمنا من مشاعرنا. ولذلك فهو في حبه هذا لعائشة -رضي الله عنها- لا يجعله هذا الحب أن ينسى أو يتناسى حبه العظيم الخالد لخديجة الكبرى التي كانت أحب أزواجه إليه، والتي قدمت له في ساعة العسرة ما لم يقدمه أحد آخر.
وفي لحظة شعور امرأة تسأله السيدة عائشة -رضي الله عنها- وتقول: ما لك تذكر عجوزاً أبدلك الله خيراً منها (تعني نفسها)؟! فيقول لها: لا والله، ما أبدلني زوجاً خيراً منها، ويغضب لذلك، ويبين لها أن حب خديجة لم يفارق قلبه أبداً، ذلك هو الحب الوفي الذي يريد أن يعلمنا إياه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنه يعلمنا أنه يحب عائشة، ولكن يحب أيضاً خديجة -رضي الله عنها- كما يحب زوجاته الأخريات رضي الله عنهن.
ومما تذكره كتب السيرة أنه صلى الله عليه وسلم حج بنسائه، فلما كان في بعض الطريق نزل رجل فساق بهن فأسرع، فقال النبي كذلك، سوقك بالقوارير –يعني النساء– فبينما هم يسيرون برك لصفية بنت حيي جملها، وكانت من أحسنهن ظهراً، فبكت وجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أخبر بذلك، فجعل يمسح دموعها بيده، وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها.
إنه لموقف جميل من الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- مع زوجته حين مسح دمعتها بيده، ثم أمر الناس بالوقوف والنزول، علماً بأنه لم يكن يريد أن ينزل. لم يحقر النبي -صلى الله عليه وسلم- مشاعر صفية وعواطفها، بل احترمها وأنزل القافلة كلها من أجلها. فكم منا من رجل مسح دموع زوجته وطيب خاطرها!
إنه محمد النبي الحبيب -صلى الله عليه وسلم- مسح الدمعة بيده، ومرّر يده الكريمة على خد زوجته في قمة من مشاعر الحب والاحترام والعناية والتقدير لعواطف المرأة ومشاعرها. والذين يتفاخرون اليوم من الغربيين ومن العلمانيين باحترام المرأة لم يبلغوا ولن يبلغوا ما قام به محمد صلى الله عليه وسلم.
إبراهيم بن محمد:
لقد ابتلي النبي -صلى الله عليه وسلم- بما لم يبتل به أحد، ولكنه كان المثل الأعلى في الاحتساب والصبر، وحين مات ابنه إبراهيم عليه السلام، اهتزت مشاعر الأبوة والحب، فيبكي ويحزن "إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع، وإنا يا إبراهيم على فراقك لمحزنون". يعلمنا عليه الصلاة والسلام كيف يكون الحب، وكيف يكون الحزن على فراق الحبيب، ولكن كل ذلك في حدود ما يرضي الله تعالى. إنهما حب وحزن نابعان من أب نبي بشر تتجلى فيه أعلى معاني الحب والرحمة والشفقة على فراق الأحبة، ولكنه حب لا ينسيه أنه مبلّغ عن الله، وأنّ أمانة الرسالة أعظم الأمانات. ولذلك حينما كسفت الشمس وظن بعض الناس أنها لموت إبراهيم، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنكسفان لموت أحد أو حياته".
ويمتد حبه لأمته صلى الله عليه وسلم التي كان يبكي من أجلها في هدأة الليل، فقد كان يقف في سكون الليل وظلمته الحالكة ليصلي صلاة التائب على الرغم من أنه غُفر له ما تقدم وما تأخر من ذنبه، وكان في ذلك الليل يتذكر أمته ويسكب عليها الدموع، ويسأل الله: "أمتي، أمتي".
حاجة البشرية والحضارة للحبّ:
فقد تفقد الحياة كرامتها وقداستها حينما تتحول كل المعاني والقيم والعلاقات إلى أشكال وماديات ومظاهر.
ولفقدان الحب صار يُحتفل به مثل ما يُحتفل بأي شيء آخر، ويخصص له يوماً، وكأن بقية الأيام ليست للحب، وفيه يتذكر العشاق بعضهم بعضاً من خلال تبادل الهدايا والبطاقات، أو أي شيء مادي، وصارت تنفق أموال طائلة في مناسبة عيد الحب، بل إن من الناس من يفلس بهذه المناسبة.
وارتبط الحب في بعض المفاهيم بالجنس والعري وتبادل الغراميات المحرمة، أو تلك التعبيرات المزيفة الجافة الفارغة من أي معنى.
ولكن الحب الحقيقي الذي جاء محمد -صلى الله عليه وسلم- لتعليمنا إياه هو ذلك الحب المرتبط بالله تعالى وبنهجه في الحياة، وبما ارتضاه من علاقات ومعانٍ وقيم وتعبيرات عن المشاعر.
ونختم بهاتين الآيتين المعبرتين عن عمق الحب وأهمية ارتباطه بالله تعالى. يقول الله تعالى:(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة...)[الروم:21] ويقول عز وجل: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [آل عمران: 31].
السلم والسلام في شخصه صلى الله عليه وسلم:
وفي هذه الفقرة من المقال نتناول السلم والسلام في شخصه -صلى الله عليه وسلم- وفي سيرته ودعوته والدين الذي جاء به، ليدرك القارئ الكريم أن السلم والسلام – بلغة العصر- كان مشروعاً إستراتيجياً للنبي -صلى الله عليه وسلم- شاملاً للأشخاص والأزمان والأمكنة، ولم يكن إجراءات مرحلية، او تخطيطاً وقتياً لتفادي مشكلات معينة، بل لكي يدخل الناس (في السلم كافة) [البقرة: 208] ويعمّ السلام بأن (يكون الدين لله) الذي هو دين الإسلام والسلم، ذلك أن (الدين عند الله الإسلام)، ورب العباد يدعو إلى السلام، قال تعالى: (والله يدعو إلى دار السلام) [يونس: 25].

السلم مبدأ ومسلك وغاية:

إنّ الإسلام دين السلم وشعاره السلام، فبعد أن كان عرب الجاهلية يشعلون الحروب لعقود من الزمن من أجل ناقة أو نيل ثأر ويهدرون في ذلك الدماء، جاء الإسلام وأخذ يدعوهم إلى السلم والوئام، ونبذ الحروب والشحناء التي لا تولّد سوى الدمار والفساد.
ولذلك فإن القرآن جعل غايته أن يدخل الناس في السلم جميعاً، فنادى المؤمنين بأن يتخذوه غاية عامة، قال الله -عز وجل- مخاطباً أهل الإيمان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) [البقرة: 208]، بل إن من صفات المؤمنين أنهم يردون على جهالات الآخرين بالسلم، فيكون السلم هنا مسلكاً لردّ عدوان الجاهلين، قال تعالى: (...وإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَما). ذلك أن مسلك السلم لا يستوي ومسلك العنف، ومسلك العفو لا يستوي ومسلك الانتقام، ومسلك اللين لا يستوي ومسلك الشدة والغلظة، ولذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو ويوصي دائماً أصحابه بالدفع بالتي هي أحسن، والإحسان إلى المسيئين، مصداقاً لما قال تعالى موصياً سيد الخلق أجمعين -صلى الله عليه وسلم-: (...وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) كما أنهم دعوا إلى الجنوح للسلم فقال تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) وشجع القرآن المسلمين على التزام السلم – وهذا وقت الحرب- وطالبهم بتلمّس السلم إن وجدوا رداً إيجابياً من الطرف الآخر، فقال تعالى: (فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا).

لا إكراه في الدين: سلم دون تلفيق:

الإسلام رسالته واضحة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- كان واضحاً وسيبقى دينه واضحاً للعالمين، بأن هناك فرقاً بين احترام حرية الآخرين في اختيار ما يعتقدون، وبين التلفيق بين الأديان، أو قبول أديان الضلالة.
فالإسلام متناسق وواضح ومنسجم مع منطقه الداخلي ومع الحقيقة الموضوعية، ولذلك فإنه لا يقبل التلفيق بين الأديان، فالإسلام هو الحقيقة المطلقة، ولا يقبل بحال من الأحوال قبول العقائد الأخرى في منطق الإسلام، كما أن التأكيد على التمايز بين الحق والضلال واضح في منهجه -صلى الله عليه وسلم- وذلك في سورة الكافرون حيث يقول تعالى:(قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عباد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين)، ولكن في الوقت نفسه لا يصح بحال من الأحوال إجبار وإكراه الآخرين على قبوله، ولذلك بيّن القرآن الكريم أن (لا إكراه في الدين) لأنه (تبين الرشد من الغي).
بل إن القرآن نفسه به آيات كثيرة تدعو إلى احترام عقائد الآخرين حتّى ولو كانت فاسدة وغير صحيحة، وذلك لسماحة الإسلام حتى في مقابل أصحاب العقائد الضالّة التي لا قداسة لها في نظر الإسلام. فأمرنا الله تعالى بعدم إيذاء غير المسلمين وإثارتهم وإهانة دينهم أو أديانهم عبر سبّ آلهتهم فقال سبحانه: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم)، بل دعانا إلى اتخاذ مسلك آخر أكثر إيجابية ومبدئية، وهو منهج الإحسان والدعوة بالحسنى بدل السبّ والشتم والشحناء؛ لأنه مناقض لمنهج الاسلام وغايته في تحقيق السلم، فقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُو أعلم بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُو أعلم بِالْمُهْتَدِين).

صفح من أجل السلم:

من أجل تحقيق رسالته في السلم فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا مسلكاً مهماً آخر لتحقيق السلم، وذلك من خلال حثّنا على الصّفح وغضّ النظر عن إساءة الآخرين. ووضع القرآن الكريم لذلك آيات بينات تُعدّ دستورا يقول تعالى: (وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). [التغابن: 14]، وقال سبحانه: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ). [النور: 22]، وقال تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الُْمحْسِنِينَ) [المائدة: 13]، وقال عزوجل: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتية فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [الحجر: 85]، وقال سبحانه: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الزخرف:89] ، وقال تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِه) [البقرة: 109]. هذا بالإضافة إلى الآيات التي تدل على الغفران والغضّ عن السيئة والمحبة والإحسان وما أشبه.
ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نموذجاً وقدوة في الصفح والعفو من أجل السلم مبدأ وغاية، لقد كانت المرحلة المكية من الدعوة النبوية فترة عصيبة أُوذي فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- في شخصه الكريم، وفي أهل بيته وفي صحابته، ولكنه لم يكن يرد الإيذاء، بل كان يردّ رداً جميلاً، فحين كان أبو لهب يرميه بالحجارة، وأم جميل تلقي في طريقه الأشواك، وبعض الكفار يلقي سَلَى الشاة على رأسه وهو قائم يصلي عند الكعبة، وبعضهم يبصق في وجهه الطاهر الشريف، وأبو جهل يشج رأسه وغيرها، كان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"، ثم إنه لما انتصر على قوى الكفر والطاغوت ورجع إلى مكة فاتحاً كان أرحم بأهلها من الأم بولدها، وحقق السلم المطلق فلم تُرق قطرة دم في فتح مكة، ولما قال بعض أصحابه: "اليوم يوم الملحمة" قال: "بل اليوم يوم المرحمة"، وخاطب أهل مكة قائلاً: "ما تظنون أني فاعل بكم"، وقد أقدره الله عليهم، قالوا: "أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، وكان يوماً سجله التاريخ في تحقيق الفتح بالسلم، فهل هناك سلم مثل سلم محمد صلى الله عليه وسلم.

الحج دورة مكثفة لتعلم السلم:

هناك صلة رائعة بين خليل الله إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء، وبين الحج وبين الإسلام وبين السلام. فالإسلام دين الحنيفية السمحة، وهو ملة أبينا إبراهيم، وهو الذي سمّانا المسلمين من قبل، وهو الذي أذن في الناس بالحج، فكان محمد -صلى الله عليه وسلم- النبي الخاتم الذي اكتملت على يديه الرسالة واختتمت النبوة وتمت به النعمة.
والعجيب في الأمر أن شعيرة الحج مرتبطة أيضا بتقديم الأضحية التي هي حيوان يقدم قربانا لله تعالى، وهي سنة سنها أبونا إبراهيم الخليل فدية عن ابنه إسماعيل الذبيح عليهما السلام.
وكأن الله تعالى يعلمنا أن الحنيفية السمحة جاءت لتحقيق السلم من خلال تخليص بني البشر من سفك الدماء وقتل النفس وافتدائها بالذبح العظيم الذي أمر الله تعالى به.
ول قد رسّخ الإسلام شعائر الحج ورتبها بطريقة تجعل الحاج في سلم شامل، ليس مع الناس فقط، بل مع كل شيء؛ الشجر والحجر والحيوان ومع الكون كله، تسليماً لرب العالمين.
إن الحج تجربة تمثّل ورشة مكثفة للتدريب على الشحن الروحي والتعبئة على السلم والتدريب على محاربة نوازع النفس السيئة. وإن الأضحية التي يقدمها الحاج والطواف بالبيت العتيق تمثل شعيرة خالدة تعبر عن ذلك الإعلان العالمي الإبراهيمي بالتوقف عن تقديم القرابين البشرية، وتوديع عقلية العالم القديم، في حل المشاكل بالعنف، لذا كان الحج في ترميزه المكثف، تدريباً سنوياً لشحن الانسان بالروح السلامية، فالمظهر متشح بالبياض، والكعبة أصبحت بيت الله الحرام، فيحرم ممارسة العنف بكل أشكاله وامتداداته، فلا جدال في الحج، الجدال بمعنى التنازع والتوتر، وينعم الجميع ببحيرة للسلام في أرض غير ذي زرع، ويأمن الطير والدواب والإنسان على أنفسهم من العدوان، بعد أن كان الناس يُتخطّفون من حولهم، ويمتد السلام من النفس إلى البدن فلا يُنتف الشعر أو تُقص الأظافر، وينتهي بتدشين تجربة على ظهر الأرض، سنوية لا تقبل الإلغاء أو التأجيل، للسلام الزماني المكاني، في البيت الحرام من خلال الأشهر الحرم.
إن الحج يعلمنا أن العالم كله ينبغي أن يتحول إلى حرم آمن في كل وقت، ولذلك يأتي هذا التدريب السنوي لملايين من البشر على تحقيق مطلق السلم مع كل المخلوقات في البلد الأمين في الأشهر الحرم.
كما أنه يعلمنا السعي لتحقيق السلام العالمي من خلال هذه التجربة الإنسانية الفريدة، التي يتم فيها التدريب سنوياً على السلام والسلام المطلق مع المكان والزمان والكائنات، وهو بذلك يذكرنا أننا يبنبغي أن نوسع من هذه الورشة والدورة المكثفة وننقلها إلى المستوى الإنساني الأوسع، بتبني الأسلوب السلمي في بقية الأماكن وبقية الأوقات ومع مختلف القضايا.
الجهاد مسلك لتحقيق السلم:

معنى الجهاد:
الجهاد كلمة شاملة تعني لغوياً الجد والمبالغة وبذل الوسع والمجهود والطاقة كما في قوله تعالى: (والذين لا يجدون إلاّ جهدهم). وتعني دينياً تحقيق الإيمان الحقيقي وما يتمخّض عنه، ومقارعة كل ما يبغضه الله من كفر وانحلال وفسوق، ومن ثم قال ابن تيمية: "الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان" (كتاب العبودية، ص104). وقد وردت كلمة الجهاد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة،، ومما ورد في القرآن الكريم من استخدام لكلمة (جهاد) قوله تعال: (لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات، وأولئك هم المفلحون) [التوبة: 88]، وقوله: (يا أيها النبي جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنّمُ وبئس المصير) (التوبة، 72)، وقوله: (فلا تطع الكافرين وجاهدهم جهاداً كبيراً) [الفرقان: 52].

أهميّة الجهاد في منهج نبي الرحمة والمحبة والسلام:
إن الجهاد في معنى القتال هو أحد المسالك التي سنها النبي -صلى الله عليه وسلم- بوحي من الله تعالى من أجل أن يعم السلام وينتشر الخير ويدفع تسلط الطواغيت والظلمة والكافرين، إنقاذاً للمظلومين، وتحقيق لحرية الناس وحقهم في العيش في امن وسلام، وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم بجهاد الكفار والمنافقين بوقله: (يا أيّها النبي جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنهم وبئس المصير)، وقوله تعالى: (فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهُم لعلهم ينتهون)(التوبة: 12)، كما أمرنا أن نعد العدة من أجل ردع الظالمين وإرهابهم حتى لا يروّعوا الآمنين، فقال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدوّ الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم).[ الأنفال: 60].

كما ربط الله تعالى بين القتال وبين ذكر الله تعالى، فقال عز وجل: (يا أيّها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون) [الأنفال: 45]، وحرّم الله استدبار العدو الكافر بقوله: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولُّوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواهُ جهنم وبئس المصير). [الأنفال: 15-16]، داعياً إلى بذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق السلم الذي يأتي من خلال انتشار معاني حب الله والجهاد في سبيله، وإلى تفضيل ذلك على الآباء والأبناء والأموال والعشيرة على الدنيا الفانية والشهوات والهوى، فقال عز من قائل: (قُل إن كان آباؤكُم وأبناؤُكُم وإخوانُكُم وأزواجُكم وعشيرتُكُم وأموالٌ اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكنُ ترضونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره واللهُ لا يهدي القوم الفاسقين)[ التوبة: 24].

وقد وهب الله سبحانه المجاهدين درجات عليا وجزى المستشهدين في سبيله جزاءً أوفى قائلاً بمنح الجنة للمجاهدين في سبيله بأموالهم وأنفسهم: (إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة) [التوبة: 111]، ومبشراً الشهداء بأنهم أحياءٌ عند ربهم يرزقون: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرزقون) [آل عمران: 169]، (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون) [البقرة:154] كل هذا ليس رغبة في القتال من أجل القتال، وليس رغبة في سفك الدماء، ولكنه دفع للعدوان حينما تنتفي الدوافع والمسالك السلمية لتحقيق السلم، وأن يكون الدين لله. ولذلك فإن الله تعالى يشدد على المؤمنين بأن يكون جهادهم على وعي تام بمبادئه وغاياته، فلا قتال لمن أراد السلم، قال تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا) [النساء: 94]، وقال تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) [الأنفال: 61]، كما أن المنهج النبوي يؤكد عدم العدوان بقوله تعالى: (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) [النساء: 90] لأن القتال يكون لمن بدأ بالعدوان ومن أجل إنهاء العدوان فقط، قال تعالى: (فقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) وقال سبحانه: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) [الممتحنة: 8].

لماذا جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

كما سبق القول فإن الإسلام دين محمد -صلى الله عليه وسلم- ومنهجه لم يفرض الجهاد رغبة في السيطرة والتوسع، أو كسباً للمنافع الدنيوية، أو إرغاماً للناس على تركهم عقائدهم السابقة والدخول في الدين الجديد، أو حبّاً في إظهار القوة والتفوق الحربي، وإنما شُرع دفعاً للظلم، ومقاومة للباطل ومقارعة للكفر، ونشراً للعدل والحرية والسلام عن طريق كسر الأطواق المضروبة حولها، وتحقيقاً لأهداف الدعوة إلى الله، ودفاعاً عن الأعراض والأوطان والأموال.
والمتتبع لسيرته صلى الله عليه وسلم يجد أنه ما قاتل إلا لتحقيق السلم ونشر العدل وبناء الأخوة بين الناس من خلال رد العدوان وكسر طوق الظالمين. فالنبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أُخرجوا من ديارهم بغير حق، فأمرهم الله تعالى بقتال من يعتدي عليهم، وبإخراج من يحاول إخراجهم من ديارهم وأراضيهم، (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) [البقرة:191]، ولكن في إطار العدل والسلم كمسلك وغاية، فقال تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين] [البقرة: 190].
كما أن الجهاد شُرع لفتح الطريق أمام الفضيلة والخير والعدل والسلم إذا وقف أهل الباطل في طريق السلام العالمي، ومن أجل أن تتحقق الحرية والأمن والسلام للمستضعفين في الأرض، قال تعالى: (ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرّجال والنساء والولدان، الذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلُها وأجعلْ لنا من لدنك وليّاً واجعل لنا من لدنك نصيرا) [النساء: 75].
وبما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء رحمة للناس كافة، كما قال تعالى: (وما أرسلناك إلاّ كافةً للنّاس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون). [سبأ: 28]، وأرسل دينه رحمةً لجميع مخلوقاته، وهذه هي بعض دوافع شرع الجهاد، وهي واضحة في أنها مسلك لتحقيق السلم وفتح الآفاق أمام الناس حتى لا تكون هناك فتنة أو سفك للدماء بغير وجه حق. فني الله محمد صلى الله عليه وسلم بحق رجل المحبة والرحمة والسلام.

المراجع:

1- خاتم النبيين لمحمد أبي زهرة.
2- السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري.
3- صفحة (مع الحبيب من موقع إسلام أونلاين.نت.4- موقع الإسلام اليوم .

الأربعاء، 24 فبراير 2016

الإسلام و الحرية




جعل الإسلام "الحرية" حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض. ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن "الحرية" أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها قال تعالى:((لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )) فنفي الإكراه في الدين، الذي هو أعز شيء يملكه الإنسان، للدلالة على نفيه فيما سواه وأن الإنسان مستقل فيما يملكه ويقدر عليه لا يفرض عليه أحد سيطرته، بل يأتي هذه الأمور، راضياً غير مجبر، مختاراً غير مكره.




1/ مفهوم الحرية: يقصد بالحرية قدرة الإنسان على فعل الشيء أوتركه بإرادته الذاتية وهي ملكة خاصة يتمتع بها كل إنسان عاقل ويصدر بها أفعاله ،بعيداً عن سيطرة الآخرين لأنه ليس مملوكاً لأحد لا في نفسه ولا في بلده ولا في قومه ولا في أمته.




هل "الحرية" تعني الإطلاق من كل قيد ؟

لا يعني بطبيعة الحال إقرار الإسلام للحرية أنه أطلقها من كل قيد وضابط، لأن الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى، التي يثيرها الهوى والشهوة ، ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه ، ولذلك منع من اتباعه، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضرورية، تضمن حرية الجميع ، وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي :

أ- ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه.

ب- ألا تفوت حقوقاً أعظم منها،وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها.

ج - ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين.

وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقر الحرية لفرد على حساب الجماعة ،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد ،ولكنه وازن بينهما ،فأعطى كلاً منهما حقه.







أنواع الحرية:

- الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية

- الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية







الصنف الأول : الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية ، وهذا الصنف يشمل الآتي:

أ - الحرية الشخصية: والمقصود بها أن يكون الإنسان قادراً على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه، في نفسه وعرضه وماله، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره. والحرية الشخصية تتضمن شيئين :

1) حرمة الذات: وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان ، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره ، قال تعالى:((ولقد كرمنا بني آدم)) ، وقال تعالى:((وإذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)) وميزه بالعقل والتفكير تكريماً له وتعظيماً لشأنه، وتفضيلاً له على سائر مخلوقاته، وفي الحديث عن عائشة – رضي الله عنها – مرفوعاً : " أول ما خلق الله العقل قال له اقبل ، فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال له عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك، بك آخذ، وبك أعطي، وبك أثيب، وبك أعاقب"، وفي هذه النصوص ما يدعو إلى احترام الإنسان، وتكريم ذاته، والحرص على تقدير مشاعره، وبذلك يضع الإسلام الإنسان في أعلى منزلة، وأسمى مكان حتى أنه يعتبر الاعتداء عليه اعتداء على المجتمع كله، والرعاية له رعاية للمجتمع كله ، قال تعالى :((من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ، فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)). وتقرير الكرامة الإنسانية للفرد، يتحقق أياً كان الشخص، رجلاً أو امراة، حاكماً أو محكوماً، فهو حق ثابت لكل إنسان، من غير نظر إلى لون أو جنس أو دين. حتى اللقيط في الطرقات و نحوها، يجب التقاطه احتراما لذاته و شخصيته، فإذا رآه أحد ملقى في الطريق، وجب عليه أخذه، فإن تركوه دون التقاطه أثموا جميعاً أمام الله تعالى، و كان عليهم تبعة هلاكه. هذا و كما حرص الإسلام على احترام الإنسان حياً، فقد أمر بالمحافظة على كرامته ميتاً، فمنع التمثيل بجثته، و ألزم تجهيزه و مواراته ،و نهى عن الاختلاء و الجلوس على القبور.




2) تأمين الذات: بضمان سلامة الفرد و أمنة في نفسه و عرضه و ماله:

فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء، سواء كان على البدن كالضرب و السجن و نحوه، أو على النفس و الضمير كالسب أو الشتم و الازدراء و الانتقاص وسوء الظن و نحوه، و لهذا قرر الإسلام زواجر و عقوبات، تكفل حماية الإنسان و وقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه، ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية. وكلما كان الاعتداء قوياً كان الزجر أشد، ففي الاعتداء على النفس بالقتل و جب القصاص، كما قال تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى))، أو كان الاعتداء على الجوارح بالقطع و جب القصاص أيضاً كما قال تعالى :((و كتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس و العين بالعين و الأنف بالأنف و الأذن بالأذن و السن بالسن و الجروح قصاص)) و منع عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – الولاة من أن يضربوا أحداً إلا أن يكون بحكم قاض عادل، كما أمر بضرب الولاة الذين يخالفون ذلك بمقدار ما ضربوا رعاياهم بل إنه في سبيل ذلك منع الولاة من أن يسبوا أحداً من الرعية، ووضع عقوبة على من يخالف ذلك.




ب-حرية التنقل (الغدو و الرواح ): والمقصود بها أن يكون الإنسان حراً في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه. والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي ،تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه ،ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها ،بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها وقد جاء تقرير ((حرية التنقل )) بالكتاب والسنة والإجماع ففي الكتاب قوله تعالى : ((هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه و أليه النشور)) و لا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة ،كما فعل عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – في طاعون عمواس، حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام الذي كان به هذا الوباء، و لم يفعل ذلك الا تطبيقاً لقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه و إذا وقع بأرض و انتم بها فلا تخرجوا فرار منه)، و لأجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتربص لهم في الطرقات، و أنزل عقوبة شديدة على الذين يقطعون الطرق ويروعون الناس بالقتل و النهب و السرقة، قال تعالى : ((إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله و يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم و أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا و لهم في الآخرة عذاب عظيم)) و لتأكيد حسن استعمال الطرق و تأمينها نهى النبي صلى الله عليه و سلم صحابته عن الجلوس فيها، فقال: (إياكم و الجلوس في الطرقات ،قالوا: يا رسول الله ،ما لنا بد في مجالسنا، قال: فإن كان ذلك، فأعطوا الطريق حقها، قالوا: و ما حق الطريق يا رسول الله ؟قال: غض البصر و كف الأذى، و رد السلام، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر )، فالطرق يجب أن تفسح لما هيئ لها من السفر و التنقل و المرور، و أي استعمال لغير هدفها محظور لا سيما إذا أدي إلى الاعتداء على الآمنين، و لأهمية التنقل في حياة المسلم وأنه مظنة للطوارئ، فقد جعل الله تعالى ابن السبيل- وهو المسافر- أحد مصارف الزكاة إذا ألم به ما يدعوه إلى الأخذ من مال الزكاة ، ولو كان غنياً في موطنه .




ج-حرية المأوى و المسكن: فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه ،فله حرية ذلك، كما أن العاجز عن ذلك ينبغي على الدولة أن تدبر له السكن المناسب، حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته.

روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)، وقد استدل الإمام ابن حزم بهذا الحديث وغيره على أن أغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيئ عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة، والدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار فيضمن ذلك لكل فرد من أفراد الدولة بغض النظر عن دينه.

فإذا ما ملك الإنسان مأوى و مسكن ،فلا يجوز لأحد ،أن يقتحم مأواه ،أو يدخل منزله إلا بإذنه، حتى لو كان الداخل خليفة، أو حاكماً أعلى –رئيس دولة- ما لم تدع إليه ضرورة قصوى أو مصلحة بالغة، لأن الله تعالى يقول :((يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا و تسلموا على أهلها ذلكم خيركم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم و إن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم و الله بما تعملون عليم )) و إذا نهى عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها، فالاستيلاء عليها أو هدمها أو إحراقها من باب أولى، إلا إذا كان ذلك لمصلحة الجماعة، بعد ضمان البيت ضماناً عادلاً، و هذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد، أو بناء شارع، أو إقامة مستشفى، أو نحو ذلك، و قد أجلى عمر بن الخطاب –رضي الله عنه –أهل نجران، و عوضهم بالكوفة. ولحفظ حرمة المنازل وعظمتها حرم الإسلام التجسس، فقال تعالى :(( و لا تجسسوا و لا يغتب بعضكم بعضا )) وذلك لأن في التجسس انتهاكا لحقوق الغير والتي منها :حفظ حرمة المسكن، وحرية صاحبه الشخصية بعدم الاطلاع على أسراره. بل و بالغ الإسلام في تقرير حرية المسكن بأن أسقط القصاص والدية عمن انتهك له حرمة بيته، بالنظر فيه و نحوه، يدل على ذلك حديث أبى هريرة –رضي الله عنه-أنه سمع رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : (من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقأوا عينه فقد هدرت عينه) وهدرت:أي لاضمان على صاحب البيت. فعين الإنسان –رغم حرمتها وصيانتها من الاعتداء عليها وتغليظ الدية فيها –لكنها هنا أهدرت ديتها بسب سوء استعمالها واعتدائها على حقوق الغير .




د-حرية التملك: و يقصد بالتملك حيازة الإنسان للشيء و امتلاكه له، و قدرته على التصرف فيه، و انتفاعه به عند انتقاء الموانع الشرعية، و له أنواع و وسائل نوجزها في الآتي:

1) أنواع الملكية: للملكية أو التملك نوعان بارزان،هما:تملك فردي ،و تملك جماعي.

فالتملك الفردي: هو أن يحرز الشخص شيئاً ما ،و ينتفع به على وجه الاختصاص و التعين.

وقد أعطى الإسلام للفرد حق التملك، و جعله قاعدة أساسية للاقتصاد الإسلامي، و رتب على هذا الحق نتائجه الطبيعية في حفظه لصاحبه، و صيانته له عن النهب و السرقة ،و الاختلاس و نحوه ،ووضع عقوبات رادعة لمن اعتدى عليه ،ضمانا له لهذا الحق ،و دفعا لما يتهدد الفرد في حقه المشروع .كما أن الإسلام رتب على هذا الحق أيضا نتائجه الأخرى، وهي حرية التصرف فيه بالبيع أو الشراء و الإجارة و الرهن و الهبة و الوصية و غيرها من أنواع التصرف المباح.

غير أن الإسلام لم يترك (التملك الفردي) مطلقاً من غير قيد، ولكنه وضع له قيوداً كي لا يصطدم بحقوق الآخرين، كمنع الربا و الغش و الرشوة و الاحتكار و نحو ذلك، مما يصطدم ويضيع مصلحة الجماعة .و هذه الحرية لا فرق فيها بين الرجل و المرأة قال الله تعالى : ((للرجال نصيب مما اكتسبوا و للنساء نصيب مما اكتسبن )).

أما النوع الثاني:فهو التملك الجماعي :و هو الذي يستحوذ عليه المجتمع البشري الكبير، أو بعض جماعاته، و يكون الانتفاع بآثاره لكل أفراده، و لا يكون انتفاع الفرد به إلا لكونه عضواً في الجماعة، دون أن يكون له اختصاص معين بجزء منه، مثاله :المساجد والمستشفيات العامة والطرق والأنهار والبحار وبيت المال ونحو ذلك. و ما ملك ملكاً عاماً يصرف في المصالح العامة ،و ليس لحاكم أو نائبه أو أي أحد سواهما أن يستقل به أو يؤثر به أحد ليس له فيه استحقاق بسب مشروع وإنما هو مسؤول عن حسن إدارته و توجيهه التوجيه الصحيح الذي يحقق مصالح الجماعة ويسد حاجاتها.

2) وسائل الملكية: و هي طرق اكتسابها التي حددها الإسلام و عينها و حرم ما سواها ويمكن تقسيمها أيضا إلى قسمين :وسائل الملكية الفردية و الجماعية.

- وسائل الملكية الفردية ،و لها مظهران:

المظهر الأول :الأموال المملوكة ،أي المسبوقة بملك ،و هذه الأموال لا تخرج من ملك صاحبها إلى غيره إلا بسب شرعي كالوراثة ،أو الوصية ،أو الشفعة ، أو العقد ،أو الهبة ،أو نحوها.

المظهر الثاني :الأموال المباحة ،أي غير المسبوقة بملك شخص معين ،و هذه الأموال لا يتحقق للفرد تملكها إلا بفعل يؤدي إلى التملك و وضع اليد ،كإحياء موات الأرض و الصيد ،واستخراج ما في الأرض من معادن ،و إقطاع ولي الأمر جزءاً من المال لشخص معين،والعمل ،و نحوه .

على أن ثمة قيوداً على الملكية الفردية ،تجمل فيما يلي:

1/ مداومة الشخص على استثمار المال ،لأن في تعطيله إضراراً بصاحبه ،و بنماء ثروة المجتمع.

2/ أداء زكاته إذا بلغ نصاباً،لأن الزكاة حق المال،و كذلك إنفاقه في سبيل الله.

3/ اجتناب الطرق المحرمة للحصول عليه ،كالربا ،و الغش و الاحتكار و نحوه.

4/ عدم الإسراف في بذله أو التقتير.




- وسائل الملكية الجماعية ،و لها مظاهر كثيرة ،نوجزها في الآتي:

المظهر الأول :الموارد الطبيعية العامة ،و هي التي يتناولها جميع الناس في الدولة دون جهد أو عمل . كالماء ،و الكلأ ،و النار ،و ملحقاتها.

المظهر الثاني :الموارد المحمية ،أي التي تحميها الدولة لمنفعة المسلمين أو الناس كافة ،مثل :المقابر ،والمعسكرات ،و الدوائر الحكومية ،والأوقاف ،والزكوات و نحوها.

المظهر الثالث :الموارد التي لم تقع عليها يد أحد ،أو وقعت عليها ثم أهملتها مدة طويلة كأرض الموات.

المظهر الرابع :الموارد التي تجنيها الدولة بسبب الجهاد كالغنائم والفيء ونحوها




هـ- حرية العمل: العمل عنصر فعال في كل طرق الكسب التي أباحها الإسلام، و له شرف عظيم باعتباره قوام الحياة ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. و لأهمية العمل في الإسلام اعتبر نوعاً من الجهاد في سبيل الله ،كما روى ذلك كعب بن عجرة –رضي الله عنه –قال : (مر على النبي صلى الله عليه و سلم رجل ،فرأى أصحاب الرسول الله صلى الله عليه و سلم من جلده و نشاطه، فقالوا :يا رسول الله ،لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إن كان خرج يسعى على ولده صغاراً، فهو في سبيل الله،و إن خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله ،و إن كان خرج يسعى على نفسه يعضها فهو في سبيل الله، و إن كان خرج يسعى رياء و مفاخرة فهو في سبيل الشيطان). وهكذا نجد كثيراً من نصوص الكتاب و السنة ،تتحدث عن العمل و تحث عليه وتنوه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد و نجارة السفن ،و فلاحة الأرض ،و نحو ذلك ،لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، و البقاء –من حيث هو – هدف مرحلي للغاية الكبرى، و هي عبادة الله، و ابتغاء رضوانه ، وبقدر عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة، فأعظم الغايات هو رضوان الله تعالى، و بالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل و التضحية، و إنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته و أهميته للوجود الإنساني، وأنه أكبر نعمة الله على الإنسان.







الصنف الثاني :الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية ،و هذا الصنف يشمل الآتي:

أ-حرية الاعتقاد: ويقصد بها اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، و عقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك .فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، و يجعل المكره مسلوب الإرادة ،فينتفي بذلك رضاه و اقتناعه و إذا تأملنا قول الله تعالى : ((لا إكراه في الدين )) نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، و أقر أن الفكر و الاعتقاد لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أي إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكره باطل و مرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، و لا يثبتها في الضمير. لذلك قال تعالى : ((و لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين )) و قال أيضاً ((فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )) كل هذه الآيات و غيرها ،تنفي الإكراه في الدين،و تثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به. هذا و يترتب على حرية الاعتقاد ما يلي:

1) إجراء الحوار و النقاش الديني ،وذلك بتبادل الرأي و الاستفسار في المسائل الملتبسة ،التي لم تتضح للإنسان ،و كانت داخلة تحت عقله و فهمه –أي ليست من مسائل الغيب – وذلك للاطمئنان القلبي بوصول المرء إلى الحقيقة التي قد تخفى عليه، وقد كان الرسل والأنبياء عليهم الصلاة و السلام يحاورون أقوامهم ليسلموا عن قناعة و رضى و طواعية ، بل إن إبراهيم –أبا الأنبياء عليه السلام –حاور ربه في قضية ((الإحياء و الإماتة )) ليزداد قلبه قناعة و يقيناً و ذلك فيما حكاه القرآن لنا في قوله تعالى : ((وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً فلما تبين له قال أعلم أن الله عزيز حكيم )) بل إن في حديث جبريل عليه السلام ،الذي استفسر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم عن ((الإسلام ))و ((الإيمان ))و ((الإحسان )) و ((علامات الساعة )) دليل واضح على تقرير الإسلام لحرية المناقشة الدينية ،سواء كانت بين المسلمين أنفسهم، أو بينهم و بين أصحاب الأديان الأخرى، بهدف الوصول إلى الحقائق و تصديقها، لا بقصد إثارة الشبه و الشكوك و الخلافات، فمثل تلك المناقشة ممنوعة، لأنها لا تكشف الحقائق التي يصل بها المرء إلى شاطئ اليقين.




2) ممارسة الشعائر الدينية ،و ذلك بأن يقوم المرء بإقامة شعائره الدينية ،دون انتقاد أو استهزاء ، أو تخويف أو تهديد،و لعل موقف الإسلام الذي حواه التاريخ تجاه أهل الذمة –أصحاب الديانات الأخرى –من دواعي فخره و اعتزازه ،و سماحته ،فمنذ نزل الرسول صلى الله عليه و سلم يثرب –المدينة المنورة –أعطى اليهود عهد أمان ، يقتضي فسح المجال لهم أمام دينهم و عقيدتهم، و إقامة شعائرهم في أماكن عبادتهم .ثم سار على هذا النهج الخلفاء الراشدون ،فكتب عمر بن الخطاب –رضي الله عنه – لأهل إيلياء –القدس- معاهدة جاء فيها : (( هذا ما أعطاه عمر أمير المؤمنين ، أهل ايلياء من الأمان ،أعطاهم أمانا على أنفسهم ،و لكنائسهم و صلبانهم ،،، لا تسكن كنائسهم ولا تهدم و لا ينتقص منها و لا من غيرها و لا من صلبهم، و لا يكرهون على دينهم ،و لا يضار أحد منهم )) و ها هم علماء أوروبا اليوم ،يشهدون لسماحة الإسلام ،و يقرون له بذلك في كتبهم .قال ((ميشود )) في كتابه (تاريخ الحروب الصليبية ) : (( إن الإسلام الذي أمر بالجهاد ،متسامح نحو أتباع الأديان الأخرى و هو قد أعفى البطاركة و الرهبان و خدمهم من الضرائب،و قد حرم قتل الرهبان –على الخصوص – لعكوفهم على العبادات، ولم يمس عمر بن الخطاب النصارى بسوء حين فتح القدس، وقد ذبح الصليبيون المسلمين و حرقوا اليهود عندما دخلوها )) أي مدينة القدس




ب- حرية الرأي: و تسمى أيضا بحرية التفكير و التعبير، وقد جوز الإسلام للإنسان أن يقلب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، و الظواهر المختلفة، و يحاول تجربتها بعقله، و استخدامها لمصلحته مع بني جنسه، لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته و مدى قابليته للتفاعل و التأثير ،ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر و طول التفكير.

هذا و لإبداء الرأي عدة مجالات و غايات منها:

1) إظهار الحق و إخماد الباطل ،قال تعالى : ((ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون)) فالمعروف هو سبيل الحق ،و لذلك طلب من المؤمن أن يظهره ،كما أن المنكر هو سبيل الباطل ،و لذلك طلب من المؤمن أن يخمده.

2) منع الظلم و نشر العدل ،و هذا ما فعله الأنبياء و الرسل إزاء الملوك و الحكام و يفعله العلماء و المفكرون مع القضاة و السلاطين قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ).

3) و قد يكون إبداء الرأي ،بتقديم الأمور حسب أهميتها و أولويتها، و هذا أكثر ما يقوم به أهل الشورى في أكثر من بلد ،و أكثر من مجتمع و قد يكون بأي أسلوب آخر،إذ من الصعب حصرها ،و لكنها لا تعني أن يخوض الإنسان فيما يضره، ويعود عليه بالفساد، بل لا بد أن تكون في إطار الخير والمصلحة إذ الإسلام بتقريره حرية الرأي ، إنما أراد من الإنسان أن يفكر كيف يصعد، لا كيف ينزل، كيف يبني نفسه و أمته،لا كيف يهدمها سعياً وراء شهوتها وهواها.

وباستعراض التاريخ الإسلامي ،نجد أن ((حرية الرأي )) طبقت تطبيقاً رائعاً ،منذ عصر النبوة ،فهذا الصحابي الجليل ،حباب بن المنذر ، أبدى رأيه الشخصي في موقف المسلمين في غزوة بدر ،على غير ما كان قد رآه النبي صلى الله عليه و سلم ،فأخذ النبي صلى الله علبه و سلم برأيه ، و أبدى بعض الصحابة رأيهم في حادثة الإفك ،و أشاروا على النبي صلى الله عليه و سلم بتطليق زوجته عائشة –رضي الله عنها – إلا أن القرآن برأها ،و غير ذلك من المواقف الكثيرة التي كانوا يبدون فيها آراءهم




ج-حرية التعلم: طلب العلم و المعرفة حق كفله الإسلام للفرد،و منحه حرية السعي في تحصيله،و لم يقيد شيئاً منه، مما تعلقت به مصلحة المسلمين ديناً و دنيا، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله، و سلوك السبيل الموصل إليه، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة، و إنما تتحقق به مضرة و مفسدة، فهذا منهي عنه، و محرم على المسلم طلبه، مثل علم السحر و الكهانة ،و نحو ذلك.

و لأهمية العلم و المعرفة في الحياة ،نزلت آيات القرآن الأولى تأمر النبي صلى الله عليه و سلم بالقراءة قال تعالى: ((اقرأ باسم ربك الذي خلق ،خلق الإنسان من علق ،اقرأ و ربك الأكرم ، الذي علم بالقلم ،علم الإنسان ما لم يعلم)) و القراءة هي مفتاح العلم ،و لذلك لما هاجر النبي صلى الله عليه و سلم إلى المدينة،و نصب عليه الكفار الحرب،و انتصر المسلمون و أسروا من أسروا من المشركين، جعل فداء كل أسير من أسراهم ،تعليم القراءة و الكتابة لعشرة من صبيان المدينة و هذا من فضائل الإسلام الكبرى، حيث فتح للناس أبواب المعرفة، و حثهم على و لوجها و التقدم فيها، و كره لهم القعود عن العلم و التخلف عن قافلة الحضارة و الرفاهية و الازدهار. و من أجل ذلك كان على الدولة الإسلامية ،أن تيسر سبل التعليم للناس كافة، و تضمن لكل فرد حقه في ذلك لأن هذا الحق مضمون لكل فرد من رعاياها كسائر الحقوق الأخرى.




د- الحرية السياسية: و يقصد بها حق الإنسان في اختيار سلطة الحكم، و انتخابها ،ومراقبة أدائها، و محاسبتها ،و نقدها، و عزلها إذا انحرفت عن منهج الله و شرعه، و حولت ظهرها عن جادة الحق و الصلاح .

كما أنه يحق له المشاركة في القيام بأعباء السلطة ،و وظائفها الكثيرة ،لأن السلطة حق مشترك بين رعايا الدولة،و ليس حكرا على أحد ،أو وقفا على فئة دون أخرى و اختيار الإنسان للسلطة، قد يتم بنفسه، أو من ينوب عنه من أهل الحل و العقد و هم أهل الشورى، الذين ينوبون عن الأمة كلها في كثير من الأمور منها : القيام بالاجتهاد فيما لا نص فيه ، إذ الحاكم يرجع في ذلك إلى أهل الخبرة و الاختصاص من ذوى العلم و الرأي، كما أنهم يوجهون الحاكم في التصرفات ذات الصفة العامة أو الدولية كإعلان الحرب، أو الهدنة ، أو إبرام معاهدة، أو تجميد علاقات، أو وضع ميزانية أو تخصيص نفقات لجهة معينة أو غير ذلك من التصرفات العامة، التي لا يقطع فيها برأي الواحد. قال تعالى : (( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل )) و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله و لرسوله و لأمة المسلمين و عامتهم ).

حسن الخلق

 


 حسن الخلق
ذات صلة احاديث عن الاخلاق احاديث عن الاخلاق الحسنة ما معنى حسن الخلق كيف تكون حسن الخلق مع الناس حسن الخلق معناه بشكل إجمالى حسن التعامل سواءً أكان ذلك بطلاقة الوجه أو ببذل المعروف أو حتّى بكف الأذى عن الناس، وحسن الخلق له أهميّة كبيرة في الاسلام العظيم؛ حيث إنّ الاسلام قد حث الناس على التخلق بالخلق الحسن، بل إنّ أفضل الأخلاق أخلاق الإسلام التي يجب أن يتمثل بها المسلمين. حسن الخلق يكون بحلاوة اللسان واحتمال الأذى والصبر عليه، وقد كان النبي صلىّ الله عليه وسلـم قد أوصى أبو هريرة بوصيّة عظيمة جليلة ذات يوم، فقال له صلّى الله عليه وسلـم: (يا أبا هريرة، عليك بحسن الخلق)، فقال أبو هريرة للنبيّ عليه الصلاة والسلام وما حسن الخلق يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلـم: ( أن تصل من قطعك وأن تعفوا عمّن ظلمك وأن تعطي من حرمك). حثّ النبي صلى الله عليه وسلـم المسلمين عامّةً بهذا الحديث على أن يتخلّقوا بالأخلاق الحميدة وأن يعاملوا الناس بالحسنى؛ حيث وضّح رسول الله صلى الله عليه وسلـم مكارم الأخلاق للناس والتي هي من أهم وأجمل الصفات التي لازمت الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين، فبها ينال أصحاب الصلاح الدرجات، وبها تُرفع مقاماتهم في الدنيا والآخرة. خصّ الله تبارك وتعالى آخر الأنبياء محمّد صلّى الله عليه وسلـم بهذا الفضل الكبير وهو فضل جمع محامد الأخلاق ومحاسن الآداب، فقال الله عزّ وجل في كتابه الكريم واصفاً حبيبنا وسيّدنا محمد صلى الله عليه وسلـم بقوله: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم)، وقد دلّت هذه الآية الكريمة على أنّ رسول الله محمد صلى الله عليه وسلـم قد تحلّى بهذه الأخلاق الحميدة، وقد استطاع أن يجمعها في شخصيّته عليه الصلاة والسلام. وحتّى يكون الانسان صاحب خلقٍ حسن يجب أن تتوفّر فيه صفات عديدة وكثيرة، وقد تكون أبرز هذه الصفات الاتّصاف بالحياء، وذلك لأنّ الحياء يحكم صاحبه، فتعف نفسه عن فعل ما يخدش هذا الحياء الّذي اتّصف به، ومن صفات صاحب الخلق الحسن أن يكون قليل الأذى ومعناه عدم القيام بايذاء أحد من الناس، وأن يكون كثير الصّلاح وصدوق اللسان، وهاتان الصفتان من أهم الصفات التي يجب أن تتوفر في صاحب الخلق الحسن. ومن أهمّ الصفات التي يجب أن تلازم صاحب الخلق الحسن أن يكون قليل الكلام وكثير العمل، وقليل الزلل والفضول، وأن يكون أيضاً بارّاً بوالديه، واصلاً لرحمه، وللصالحين من حوله، وأن يكون وقوراً وصبوراً، وأن يكون حليماً وراضياً وشكوراً، وأن لا يكون لعّاناً ولا فحّاشاً ولا شباباً، ولا نمّاماً، ولا حسوداً، ولا مغتاباً، وأن يكون حبه لله وكرهه من أجل الله، وأن يكون غضبه من أجل الله عزّ وجل، وأن يحرص على رضى الله تبارك وتعالى.

السبت، 20 فبراير 2016

اسم الله تعالى العليـــم





سبحـــان العالم بكل شيء، الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم؛ فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلِّعُ عليها المَلَك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلِّعُ عليه القلب..سبحـــان العالم بكل شيء، الذي لكمال علمه يعلم ما بين أيدي الخلائق وما خلفهم؛ فلا تسقط ورقة إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة إلا بإذنه، يعلم دبيب الخواطر في القلوب حيث لا يطلِّعُ عليها المَلَك، ويعلم ما سيكون منها حيث لا يطلِّعُ عليه القلب.







ورود اسم الله تعالى العليـــم في القرآن الكريـــم:

ورد اسمه العليم في القرآن 157 مرة؛ وفي هذا دليل على أهميته، وقد قرن الله تعالى بينه وبين بعض الأسماء، منها:




اسمه الحكيــم: قال تعالى: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة:32]. فالعلم يؤدي إلى الحكمة، ولا يجتمع العلم مع التهور والطيش. وعلم الله تعالى مقرونًا بالحكمة، أي: وضع كل شيءٍ في مساره.




واسمه السميع: قال تعالى {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنبياء:4]. لأن العلم يتم تحصيله عن طريق الحواس، وأقوى الحواس هي حاسة السمع .. لذا ينبغي أن لا تتوقف عن الاستماع لدروس العلم، فالقراءة وحدها لا تكفي؛ لأن أقوى طريق للمعرفة هو السمــاع.




فالسمع يؤدي إلى العلم .. وهو سبحانه وتعالى يسمع كل شىء حتى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء فى الليلة الظلماء.. لذا كان هو الأحق بالعلم جلَّ جلاله.







معنى الاسم ودلالته في حق الله تعالى:

العليم من العلم وهو نقيض الجهل، وعَلِمتُ الشيء: أي عرفته وخبرته.. فالعلم لا يقتصر على معرفة الظاهر، وإنما ينضم إليــه معرفة حقيقة الشيء.. وهذا متعذرٌ في حق العبد تجاه الله تعالى؛ لذا لا يصح أن تقول: عَلِمتُ الله وإنما تقول: عرفت الله.




وشتـــان بين علمٍ مقيد محدود وعلمٍ مُطلق بلا حدود .. فسبحانه وتعالى في كمال علمه وطلاقة وصفه، فعلمه فوق علم كل ذي علم .. كما قال الله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76].







فعلم الله تعالى: علمٌ بما كــــان، وما هو كــائن، وما سيــكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.

أحـــاط علمه سبحانه وتعالى بجميع الأشياء ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها.

فاسم الله تعالى العليـــم، أشتمل على مراتب العلم الإلهي وهي أربعة:




1- علمه بالشيء قبـل كونه، وهو سر الله في خلقه، لا يعلمه ملكٌ مُقرَّب ولا نبيٌ مُرسل .. ويُسمى علم التقدير ومفتاح ما سيصير، ومن هم أهل الجنة ومن هم أهل السعير؟




فكل أمور الغيب قدرها الله في الأزل ومفتاحها عنده وحده ولم يزل.. لذلك قال تعالى {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} [الأنعام:59]، وقال سبحــانه {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [لقمان:34].




2- علمه بالشيء وهو في اللوح المحفوظ بعد كتابته وقبل إنفاذ أمره ومشيئته.

فالله عزَّ وجلَّ كتب مقادير الخلائق في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة، والمخلوقات في اللوح قبل إنشائها عبارة عن كلمات ..




يقول الله جلَّ وعلا: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج:70] .. وقال تعالى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22].




3- علمه بالشيء حال كونه وتنفيذه ووقت خلقه وتصنيعه.

يقول الله تعالى {اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَا . عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد:9،8]، وقال تعالى {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ:2].




4- علمه بالشيء بعد كونه وتخليقه وإحاطته بالفعل بعد كسبه وتحقيقه.

فالله عزَّ وجلَّ يعلم ما سيفعل المخلوق بعد خلقه، ويعلم تفاصيل أفعاله وخواطره وحديث نفسه، يقول تعالى {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [التوبة:78].




وتلك المراتب الأربع السابقة.. ذُكِرت في قول الله جلَّ وعلا {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام:59]. فالله سبحـــانه وتعالى عـــالمٌ بكل شيءٍ في كل وقتٍ وفي كل حيـــن.




يقول ابن القيم:




وَهُوَ العليمُ أَحَاطَ عِلْماً بِالَّذِي***في الكونِ مِنْ سِرٍّ ومنْ إِعْلانِ

وبكلِّ شَيْءٍ عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ***فهوَ المحيطُ وليسَ ذا نِسْيَانِ







ويقول أيضًا:




وكذاكَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ غَداً وما***قدْ كانَ والموجودَ في ذا الآنِ

وكذاكَ أَمْرٌ لمْ يَكُنْ لوْ كانَ كيـ ***ـفَ يكونُ ذاكَ الأمرُ ذا إِمْكَانِ

القصيدة النونية (241).










حظ المؤمن من اسم الله تعالى العليــم




1) إيمانه بالقضـــاء والقدر.

فيصدق تصديقًا جازمًا بأن قدر الله سبحانه وتعالى لا يأتي إلا بالخير؛ لأنه الله عزَّ وجلَّ عـــالم بكل شيء وهو الحكيـــم سبحــــانه.




2) العلم عبـــادة القلب.

فلا ينبغي أن يتوقف الإنسان أبدًا عن طلب العلم؛ لإنه إذا توقف سيفسد قلبه.

ولا بد في طلب العلم من منهجية .. بحيث لا يُقدِم شيء على الكتــــاب والسُّنَّة.

كما لا بد له من مرحلية .. بحيث يبدأ بتعلُّم فرض العين عليه من العلوم الشرعية، وبعدها يتدرج في تعلُّم العلم الذي ينفعه.




3) العلم يورث الخشيــــة.

كما في قوله تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [فاطر:28].

4) العلم يورث الحيـــــاء من الله عزَّ وجلَّ.

فعندما يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعلم سره وعلانيته، سيستحيي من ربِّه أن يطلِّع على قلبه فيجد فيه ما يكرهه وتعلقات بدنيـــا فانيــــة.




5) الطريـــق للعلم النـــافع هو التقوى.

فالله سبحـــانه وتعالى لن يستودع قلبك معرفته ومحبته إلا إذا شـــاء.. {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة:255]، فإن كنت تريد أن يمُنَّ الله عزَّ وجلَّ عليك بالعلم النـــافع، عليك بالتقوى والطاعة له سبحانه وتعالى، يقول تعالى {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:282].




6) مهما بلغت من العلم، فهو قليــــل.

كما جاء في قصة موسى عليه السلام والخضر لما رَكِبا السفينة: «..فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هَذَا الْعُصْفُورِ فِي الْبَحْر»(صحيح البخاري). فإيـــاك أن تتكبَّر بعلمك..




والحل: أن تنظر إلى من هو أعلى منك علمًا، فتعلم قدرك الحقيقي.

دعــاء المسألة باسمه تعالى العليم: على العبد أن يسأل ربَّه تبارك وتعالى باسمه العليم؛ حتى يفتح عليه بالعلم ويَمُنَّ عليه بمعرفة ما خفيَ عنه من الخير؛ لأن ليس كل ما خَفِيَ عنك فيه الخير، فلا نسأل إلا عما يفيدنا في أمر ديننا وينبغي أن يترتب على هذا العلم العمل.




وقد ورد الدعاء باسمه العليـــم في دعاء إبراهيم عليه السلام {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة:127].




وكان النبي يفتتح صلاته بالاستعاذة بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم .. عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله إذا قام من الليل كبر ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا الله ثلاثًا، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا ثلاثًا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.» (رواه أبو داوود وصححه الألباني).




وسُألت عائشة رضي الله عنها: بما كان يستفتح النبي صلاته إذا قام من الليل؟، قالت: كان يقول: «اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة .. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك لتهدي إلى صراط مستقيم» (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني).




وما أحوجنا لهذا الدعاء في زمن الفرقة والشتات، فادعُ ربَّك العليم أن يهدك إلى الحق وسبيل الرشـــــاد في زمن الفتن وإتبـــاع الأهواء.




نسأل الله تعالى أن يُعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علمًا ينفعنا.

الجمعة، 19 فبراير 2016

تحرير المسجد الأقصى على يد صلاح الدين


تمر بنا كل عام ذكرى تحرير المسجد الأقصى المبارك على يد صلاح الدين الأيوبي منالصليبيين الملاعين الذين دنسوه عام 492هـ. واستطاع صلاح الدين أن يحرره بعد 91 عامًا وذلك في عام 583هـ. تمر هذه الذكرى من سنين وأرض الأقصى تحت احتلال جديد، وهذه المرة على يد اليهودلعنهم الله.



وقد شهدت أرض فلسطين انتفاضات مباركة -إن شاء الله- سميت إحداها بانتفاضة الأقصى المبارك، ومساهمة في دفع العدوان عن هذا المسجد المبارك، وتخليدًا لذكرى هذا البطل المجاهد أحاول أن أبين الجهود العظيمة والخطوات المهمة التي أثمرت بإذن الله عودة الأقصى للمسلمين أول مرة، وليعود إن شاء الله مرةً أخرى إلى حوزتهم.

أولًا: استعادة بيت المقدس كانت ثمرة جهود متعددة ولأجيال متلاحقة
يقول الأستاذ وليد نويهض: "لم تأت إذن انتصارات صلاح الدين من فراغ، ولم تكن النتائج العسكرية التي حققها من دون مقدمات سياسية وتنظيمية وإدارية وإصلاحية وإحيائية امتدت على أكثر من قرن إلى أن بدأ قطف ثمارها في عهديعماد الدين زنكي ونور الدين محمود الذي يعتبر المؤسس الحقيقي للتحولات الكبرى التي شهدتها بلاد الشام ثم مصر"[1].

ويقول: "فالتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة في نهاية القرن السادس الهجري سبقتها حركات إصلاحية تمثلت في مسألتين: إحياء علوم الدين واسترداد الدولة "الخلافة العباسية" مواقعها، ونتج عن المسألتين والجهود التأسيسية التي قام بها الجيل الإصلاحي الأول من العلماء والفقهاء إطلاق حركة سياسية دينية، رغم حالات الإرباك والإحباط التي واجهته لحظة بدء حملات الفرنجة الأولى، فبين مرحلة التأسيس (460هـ) وإلغاء الدولة الفاطمية في مصر وإعادة توحيد مصر والشام (567هـ) أكثر من قرن شهدت خلاله المنطقة حالات من الصعود والهبوط والهجوم المضاد، إلى أن أخذت تستقر الأمور في مطلع القرن الهجري السادس.

فالجيل الأول أسس لظهور الجيل الثاني (ولد نور الدين محمود 511هـ) ومهد الجيل الثاني طريق تحرير القدسللجيل الثالث (ولد صلاح الدين 532هـ) واحتاجت الحركة الإصلاحية الإحيائية مئة سنة لتثمر النتائج السياسية التي أدت إليها، وتصد هجمات الإفرنج وتبدأ بهزيمتهم" [2].

ويقول الأستاذ محمد العبدة: "فمثل صلاح الدين ومن قبله نور الدين لا يأتيان بدون تمهيدات وإرهاصات" [3]. ويقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني: "إن صلاح الدين لم يكن في بدايته سوى خامة من خامات جيل جديد مر في عملية تغيير غيرت ما بأنفس القوم من أفكار وتصورات وقيم وتقاليد وعادات، ثم بوأتهم أماكنهم التي تتناسب مع استعدادات كل فرد وقدراته النفسية والعقلية والجسدية، فانعكست آثار هذا التغيير على أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية" [4].

ثانيًا: لماذا احتاجت عملية تحرير الأقصى كل هذه الجهود الضخمة والأجيال المتعاقبة؟
لم تكن الحاجة إلى كل هذه الجهود إلا بسبب تردي أحوال المسلمين قبيل الغزو الصليبي على كل الأصعدة السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك بسبب الجهل بأحكام الدين، وعدم القيام بأحكامه وأوامره، لأن العلم بالدين والقيام به يحقق للمسلمين رضا الله والسعادة في الدنيا. قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النمل: 97].

وهذه نبذة سريعة مختصرة عن أحوال المسلمين في ذلك العصر:
1- من الناحية الدينية: لقد ساد الجهل والبعد عن أحكام الدين وانتشار البدع والخرافات والفرق الضالة والباطنية التي كوّنت إمارات ودول مستقلة [5].
2- ومن الناحية السياسية: كان هناك خلافتان: عباسية سنية في بغداد، وفاطمية شيعية في مصر، وكانت بينهما حروب استعان الفاطميون فيها بالصليبيين على العباسيين! وأعاقوا تحرير القدس وحرب الصليبيين، وقاموا باغتيال كثير من الأمراء والعلماء الذين كانوا ضد الصليبيين [6].
3- أما الحالة الاقتصادية: فقد عمّ الغلاء واحتكار الأقوات وترف الأغنياء وشيوع الفقر وكثرة الضرائب حتى (بيعت البيضة بدينار) [7].
4- يقول المؤرخ أبو شامة عن أحوال الناس في ذلك الزمان: "كانوا كالجاهلية، همة أحدهم بطنه وفرجه، ولا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا" [8]. ويقول الرحالة ابن جبير عن أهل المشرق: "وما سوى ذلك مما بهذه الجهات الشرقية فأهواء وبدع، وفرق ضالة وشيع؛ إلا من عصمه الله عز وجل من أهلها" [9].

وبعد هذا الاستعراض السريع لحال المسلمين في القرن الخامس الهجري؛ هل سيكون بإمكان المسلمين منع الصليبيين من احتلال بيت المقدس عام 492هـ؟

وهل يمكن أن تكون استعادة بيت المقدس على يد صلاح الدين عام 583هـ بعد 91عامًا من الاحتلال نتيجة جهد فردي لقائد، أم أنه لا بد أن يكون ثمرة جهود ضخمة لأجيال متعددة وعلى مستويات مختلفة؟ هذا ما سنعرفه عبر بعض المحطات المهمة من تاريخ إعادة بيت المقدس على يد صلاح الدين.

ثالثًا: ماذا كانت ردة الفعل عند المسلمين حين سقطت بين المقدس؟
للأسف لم يتحرك أحد لنصرة الإسلام وبيت المقدس، وذلك بسبب ما قدمنا من أحوال المسلمين، ولذلك قال القاضي أبو المظفر الآبيوري يرثي القدس:

وَإِخْوَانُكُمْ بِالشَّـــــــــــامِ يُضْحَى مَقِيلُهُمْ *** ظُهُورَ الْمَذَاكِي أَوْ بُطُونَ الْقَشَاعِمِ
تَسُومُـــــــــــــــهُمُ الرُّومُ الْهَوَانَ وَأَنْتَمْ *** تَجُرُّونَ ذَيْلَ الْخَفْضِ فِعْلَ الْمُسَالِمِ
أَرَى أُمَّتِي لــــــَا يَشْرَعُونَ إِلَى الْعِدَا *** رِمَـــاحَهُمْ وَالدِّينُ وَاهِي الدَّعَائِمِ
فَلَيْتَهُمْ إِذْ لَـــــــــــــــــــــــــمْ يَذُودُوا حَمِيَّةً *** عَنِ الدِّينِ ضَنُّوا غَيْرَةً بِالْمَحَارِم [10]

رابعًا: إذًا كيف تحوّل المجتمع الإسلامي من هذه الحالة السيئة على كل الأصعدة إلى حالة الوحدة والنصر على يد صلاح الدين؟
أ- لا بد من اليقين دائمًا أن هذا الدين هو الدين الحق الذي سيظهره الله على سائر الأديان، ولكن لا يكون ذلك إلا بالأخذ بالأسباب الشرعية والكونية، ومن ذلك أنه حين بدأت الدولة الفاطمية (الشيعية) تهاجم وتحارب الخلافة العباسية (السنيّة) حتى أنها حرضت على قيام انقلاب عسكري في بغداد عاصمة الخلافة عام 450هـ بقيادة البساسيري الذي عزل الخليفة العباسي (السني) ودعا للخليفة الفاطمي (الشيعي)، وبدأ بقتل العلماء والأمراء السنيين [11].

كان أثر هذا الاعتداء على الخليفة والخلافة والعلماء السنيين أن هبت الدولة السلجوقية (التي تأسست عام 430هـ في بلاد الترك) لنجدة الخلافة العباسية عام 451هـ، فدخلها طغرل بك وقتل البساسيري وأشاع العدل والأمن في بغداد، وهنا بدأت الخلافة تعود لها الهيبة والقوة شيئًا فشيئًا؛ وذلك بالاستناد على قوة الدولة السلجوقية الصاعدة.

ب- كان من أعظم حسنات الدولة السلجوقية وزيرها نظام الملك، الذي كان وزيرًا عند السلطان السلجوقي ألب أرسلان وعند ابنه من بعده السلطان ملكشاه مدة 30 عام، وكان الوزير نظام الملك صاحب دين وذكاء وعلم، وكان من أهم مآثره أنه أنشأ المدارس وجعل للطلبة مرتبات وعرفت هذه المدارس بالمدارس النظامية عام 459هـ. ودرس بها كبار العلماء في ذلك العصر وألفوا كثيرًا من الكتب التي عالجت أمراض المسلمين في زمانهم مثل (أدب الدنيا والدين) للإمام الماوردي، وله أيضًا كتاب (الأحكام السلطانية)، وألّف الجويني (غياث الأمم في التياث الظلم) وكان لهذه الكتب والمدارس دور كبير في إخراج المسلمين من الجهل والبعد عن الدين والفرقة والوقوع في شبهات الفرق الضالةالباطنية.

وكانت العلاقة بين العلماء والأمراء علاقة طيبة، ولذلك سعت القوى الباطنية للقضاء على هذه العلاقة المتينة بين العلماء والأمراء، عن طريق اغتيال المشرف والمؤسس لها؛ وقد نجحوا في اغتيال الوزير نظام الملك عام 485هـ، قبل سقوط القدس بسبعة أعوام!! وقام بعده ابنه فخر الدين على نفس النهج فقتلوه أيضًا عام 500هـ [12].

ج- ومن أعظم الأشياء التي قام بها أيضًا الوزير نظام الملك أنه كان يعين النابغين من طلاب المدارس النظامية، وغيرهم من أصحاب الكفاءة في الأماكن القيادية والإدارية، ومن ذلك أنه أشار على السلطان ملك شاه بتولية قسيم الدولة آق سنقر مدينة حلب وحماة ومنبج واللاذقية، وذلك بسبب جهوده في الجهاد وحسن سياسته في إدارة البلاد التي حكمها، ولما قتل في عام 487هـ خلّفه ابنه عماد الدين زنكي الذي سار على خطى والده وأظهر الكفاءة والشجاعة في حروب الصليبيين [13].

ولما عين عماد الدين على ولاية الموصل واجه تحديات الصليبيين فبدأ في بناء دولته، وتفرغ لحرب الصليبيين، ولم يهتم بالصراع الدائر بين المسلمين! واستعان بتلاميذ المدارس النظامية؛ فكان وزيره مروان الطنزي ممن درس في بغداد على يد علمائها الذين دعمهم نظام الملك، بدأ عماد الدين بتوحيد أكثر أقاليم الجزيرة ثم بلاد الشام، واستعان بالسلطان السلجوقي في الدفاع عن بغداد، ثم بدأ بحرب الصليبيين وتحقيق الانتصارات عليهم، وتوجّه بعد ذلك لفتحالرها وهي أول إمارة صليبية في بلاد المسلمين ففتحها عام 539هـ. وكان ينوي مواصلة حرب الصليبيين لكنه قتل عام 541هـ [14].

وبعد وفاة عماد الدين زنكي حمل الراية ابنه نور الدين محمود، وكان نعم الخلف لخير سلف، فلقد استمر في حرب الصليبيين والدفاع عن أرض المسلمين، والعمل على توحيد الصف الإسلامي، ولذلك عمل على إنهاء الخلافة الفاطمية في مصر وقال في ذلك: "وما قصدنا بفتحها (مصر) إلا فتح الساحل وقلع الكفار" [15].

وقد طلب من صلاح الدين القضاء على الدولة الفاطمية، وذلك بعد وفاة عمه أسد الدين شيركوه الذي أرسله على رأس جيش إلى مصر وقت دبّ الخلاف والنزاع بين الفاطميين ليكون عونًا لأحد الأطراف، فكان لصلاح الدين شرف القضاء عليها وهي التي حاربت الخلافة وناصرت الصليبيين ونشرت البدعة والضلالة قبل أن ينال شرف فتح بيت المقدس عام 583هـ. واستمر نور الدين في حرب الصليبيين حتى أرجع أكثر من 50 مدينة من الصليبيين، وعزم على فتح بيت المقدس فأمر ببناء منبر للمسجد الأقصى، ولكنه توفي عام 569هـ قبل أن تقرّ عينه بالأقصى، وكان لتوحّد الشام ومصر تحت قيادته أثر هائل في المسلمين والصليبيين.

هـ-ـ وبعد وفاة نور الدين تسلم الراية صلاح الدين أكبر قواد نور الدين، والذي حقق الله على يديه فتح بيت المقدس عام 583هـ بعد 14 عامًا من تسلمه القيادة العامة وتأسيس الدولة الأيوبية. ولقد قام صلاح الدين الأيوبي بالعديد من الأعمال والحيل التي مكّنته من فتح بيت المقدس؛ ومن ذلك:

1- القضاء على الدولة الفاطمية عام 564هـ.
2- لم يبدأ من اليوم الأول في الهجوم على الصليبيين بل تأخر من أجل الإعداد والمراقبة وتصفية الخلافات مع ورثة نور الدين والخلافة العباسية وبعض الأمراء في نواحي الفرات والجزيرة.
3- عمل على تحصين مصر وتجهيزها للدفاع برًا وبحرًا، ولذلك أرسل قوات إلى اليمن لتأمين خطوط المواصلات البحرية والتجارية، وقطع الطريق على الصليبيين.
4- استغل اختلاف المصالح التجارية بين الدول الصليبية، فعقد اتفاقات تجارية مع التجار الأوروبيين لوقف تمويلهم حروب الصليبيين مقابل امتيازات وإعفاءات جمركية.
5- استغل التناقضات الداخلية بين الدولة البيزنطية والدول الأوروبية اللاتينية، وكذلك الاختلاف بين المسيحيين العرب والمسيحيين الأوروبيين.
6- اهتم ببناء أسطول بحري [16].

ومما لا يعلمه كثير من الناس أن صلاح الدين لم يكن يستطيع أن يبقى 14 عامًا في حرب مستمرة مع الصليبيين، لذلك كانت هناك الكثير من فترات الصلح والسلم التي شهدت رخاء اقتصاديًا من أجل تغطية ما يلزم للحرب القادمة [17].

وتوالت انتصارات صلاح الدين حتى توّجت بمعركة حطين 583هـ، وبعدها دخل بيت المقدس عنوة، ولم يبق للصليبين إلا مدينة صور وكانت مركزًا لتجمعهم ومدينة طرابلس ومدينة أنطاكية وبعض الحصون الصغيرة حولهم، عندها حشد الصليبيون الحملة الصليبية الثالثة والتي حققت بعض الانتصارات حتى وصلت أسوار القدس وانتهت بعقد الصلح مع صلاح الدين عام 588هـ وتوفي بعدها صلاح الدين عام 589هـ [18].

و- ويجب أن نعرف أن العمل العسكري ليس هو الجهد الوحيد الذي قام به هؤلاء القادة (عماد الدين، ونور الدين، وصلاح الدين) بل لقد كانت لهم جهود مهمة جدًا على الأصعدة الأخرى هي التي جعلت العمل العسكري يصل لمبتغاه، ومن هذه الجهود:

1- القضاء على الدولة الفاطمية والحركات الباطنية لما لها من أثر سيئ في دين ودنيا المسلمين والتعاون مع الأعداء[19].
2- مواصلة مسيرة الوزير المخلص نظام الملك في بناء المدارس ورعاية العلماء وطلبة العلم ونشر حلقات التدريس؛ لبناء جيل جديد يتحمل أعباء الجهاد ومشاقه، ومحاربة الأفكار الضالة والبدع والخرافات في حياة المسلمين [20].
3- بناء المساجد والحصون والأسوار والأوقاف ورعاية الأيتام والفقراء [21].
4- دعم القضاء وزيادة سلطانه وعدم التعدي عليه من الأمراء والقادة [22].
5- الاهتمام بإخراج القيادات ذات الصبغة الإسلامية السليمة ومنها للفائدة: القائد الأمير بهاء الدين قراقوش الذي كان عالمًا فقيهًا؛ فقد كان والي صلاح الدين على عكا وكانت له مآثر عظيمة؛ منها أنه بنى سور القاهرة وقلعة الجبل فيها، وكان له جهود مشكورة في
القضاء على الدولة الفاطمية الشيعية، ولذلك كان الشيعة وراء الإشاعات والأكاذيب عليه وألّفوا فيه كتاب "الفاشوش في أحكام قراقوش" [23].
6- كان من أهم الجهود في استعادة بيت المقدس هو إعداد أبناء النازحين من بيت المقدس للجهاد؛ فكانت توفر لهم الإقامة والتعليم، ثم يعودون إلى الثغور والمرابطة، وكانوا يعرفون باسم المقادسة [24].
7- الاهتمام بالناحية الاقتصادية فأزالوا الضرائب والتزموا الشرع فيها، فأخرج التجار أموالهم، وازدهرت الحياة، واهتموا بإعمار المدن، وصرفوا عليها الملايين، وتركوا حياة الترف، وأقاموا الفنادق وخزانات الماء والجسور [25].
8- اهتموا بالصناعات الحربية ودعمها، ومن ذلك إنشاء ديوان للأسطول البحري ودور لصناعة السفن في ثلاث مدن هي: القاهرة، الإسكندرية، دمياط [26].

وأخيرًا، هذه لمحات سريعة من تاريخ استعادة الأقصى أول مرة - فك الله أسره -؛ لنعرف أمورًا عدة:
1- {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30].
2- إن كثيرًا مما جرى بالأمس يجري اليوم.
3- إن الطريق لعودة الأقصى هو العودة إلى الله عن طريق العلم الصحيح والعمل به، والتعاون بين الأمراء المخلصين والعلماء الصادقين، والجهد الشاق الطويل.

[1] وليد نويهض، صلاح الدين الأيوبي .. سقوط القدس وتحريرها: قراءة معاصرة، ص78، ص74.
[2] وليد نويهض، صلاح الدين الأيوبي .. سقوط القدس وتحريرها: قراءة معاصرة، ص78، ص74.
[3] محمدة العبدة، أيعيد التاريخ نفسه، ص6.
[4] د. ماجد الكيلاني، هكذا ظهر جيل صلاح الدين، ص16.
[5] المصدر السابق، ص27.
[6] هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص91، قبل أن يهدم الأقصى ص 54، أيعيد التاريخ نفسه ص75. ولمزيد من التوسع في معرفة دور الفاطميين والباطنية انظر كتاب "أثر الحركات الباطنية في عرقلة الجهاد ضد الصليبيين" يوسف إبراهيم ص139.
[7] النجوم الزاهرة لأبن تغري بردي (5/213) عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص77، أيعيد التاريخ نفسه ص18.
[8] كتاب الروضتين ص7 عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص84.
[9] رحلة ابن جبير ص55 عن هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص85.
[10] الكامل لأبن الأثير (10/284) عن أيعيد التاريخ نفسه ص 34.
[11] هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص89، والتاريخ الإسلامي لمحمود شاكر (6/201)، أيعيد التاريخ نفسه ص 67.
[12] أيعيد التاريخ نفسه ص68، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 103، سير أعلام النبلاء للذهبي (19/94)، صلاح الدين قراءة ماصرة ص47.
[13] هكذا ظهر صلاح الدين ص 285.
[14] التاريخ الإسلامي (6/282)، أيعيد التاريخ نفسه ص79، هكذا ظهر جيل صلاح الدين 287.
[15] النجوم الزاهرة لابن تغري بردي (5/336) بواسطة مقومات حركة الجهاد ضد الصليبيين، د. عبد الله الغامدي ص21.
[16] لمزيد من التوسع في تفاصيل هذه الخطوات انظر: صلاح الدين قراءة معاصرة (ص94 ـ 111)، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 343.
[17] صلاح الدين قراءة معاصرة ص 110.
[18] التاريخ الإسلامي (6/332).
[19] انظر هامش 6.
[20] أيعيد التاريخ نفسه ص70، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص291.
[21] أيعيد التاريخ نفسه ص 80، صلاح الدين قراءة معاصرة ص 94.
[22] أيعيد التاريخ نفسه ص 83.
[23] هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص301.
[24] المصدر السابق ص319.
[25] المصدر السابق ص 331.
[26] ـ المصدر السابق 341.